الشيخ محمد الصادقي الطهراني

127

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ردف بعض انها سبيل الشيطان مهما اختلفت دركاته ، في ثالوث الفسق والفاحشة والكفر ، كما أن سواها سبيل اللَّه مهما اختلفت درجاته تركاً لذلك الثالوث . وإبطال الصدقات بالمن والأذى يعم ما إذا صاحباها أم تأخرا عنها ، وكما اختص النص السابق بالثاني « ثم لا يتبعون ما انفقوا مناً ولا اذى » . وقيلة المتمحل ان الصدقة الصالحة لا تبطل بعد واقعها ، فإنما الباطل هو ثوابها ، مردودة عليه بالنص « لا تبطلوا صدقاتكم » وان الثواب لمَّا يأت حتى يبطل ، ثم الثواب الآتي هو نفس الصالحة الماضية بظهور ملكوتها ، فلتبطل هي من الآن حتى لا تظهر بمظهر الحق بعد الآن . ولأن الإحباط بالنسبة للأعمال السابقة يعني إحباط الصورة الموجودة منها ، التي تتحول إلى الثواب أو العقاب ، دون نفس الأعمال السابقة أو الجزاء اللاحق ، فليس الإحباط - اذاً - من المحال حتى يقال عليه ما يقال : إن إحباط ما مضى في واقعه محال ! . واما آية المثقال « فمن يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره » فمخصصة بآيات الإحباط ، فالخير المحبَط بما أحبطه لا يُرى ، كما الشر المكفر بما ازاله لا يرى ، فإنما يُرى كل خير وشر باق إلى يوم الحشر ، وقد يرى خيراً لم يعمله حيث أوتى بنيته ، أم شراً لم يعمله حيث رضيه من فاعله ، أم لا يرى خيراً عمله حيث احبط بما يحبطه ، أم لا يرى شراً عمله حيث كفره بما يكفره ! . و « المن » هنا طليقة تشمل المن على اللَّه وهو في حد الكفر باللَّه ، والمن على عباد اللَّه وهو كفران لمنن اللَّه ، ثم « الأذى » تخص المعطَون من نعم اللَّه ، أذى في حال أم قال واعمال . وأن المن والأذى دركات ، كذلك الإبطال دركات . « لا تبطلوا . . . كالذي ينفق ماله رئاء الناس . . » فهو لا يستشعر نداوة الإيمان وبشاشته ، بقلب صلب صلد مغشىً بالرياء ، فإنفاقه - إذاً - ليس في سبيل اللَّه ، بل في سبيل الناس ، وكأنه تأليهٌ للناس بديلًا عن اللَّه ، لولا رئاء الناس لم يكن لينفق ماله ، ولكنه يرمي برئائة هدفين اثنين ، ظاهر كأنه للَّه ، وباطن أنه للناس . « . . ينفق . . ولا يؤمن باللَّه واليوم الآخر » فان الإيمان قيد الفتك ، واي فتك أفتك من رئاء الناس ، فمهما كان ذلك المنفق مؤمناً باللَّه واليوم الآخر ، ولكنه قشر لا لبُّ له ، فان لب الإيمان يلبي دعوة الرحمن ، دون تلبية لمن سواه .