الشيخ محمد الصادقي الطهراني
11
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وإذا كان واقع الكدح إلى لقاء نتاجه وإلى لقاء اللَّه ، فالحريُّ بمن يحترم عقله أن يتقصد هذين اللقائين ويعمل لهما ، دون أن يتجاهلهما ، كما الكثيرون من الكادحين يتجاهلون ، كأنهم موقنون ألا لقاء هنا وهناك . « يا أيها الإنسان إنك كادح » : متعب نفسك « إلى ربك » الذي رباك كيف تكدح تكوينياً وتشريعياً « فملاقيه » : ملاقي كدحك وملاقي ربك ، فلتكن عاقلًا في كدحك لكي يكون اللقاء مشرِّفاً سعيداً يوم الدنيا ويوم الدين في اللقائين . الكدح الصالح - نفسياً وجسدانياً - ينتج لقاءً صالحاً في الدنيا ، معرفياً عن النفسي منهما ، وحيَوياً معيشياً عن الآخر . . وينتج - وبالأحرى - لقاءً صالحاً وأصلح يوم الآخرة : إذ تلاقي ربك لقاء المعرفة العالية ، ولقاء الزلفى والرضوان ، نتيجةَ الكدح في سبيل اللَّه ، وتلاقي عملك كذلك : « يوم تجد كلُّ نفس ما عملت من خير محضراً . . » فاستعدَّ ليوم اللقاء ولأيام اللقاء ، ولتعمل عملًا صالحاً ولا تشرك بعبادة ربك أحداً . إن الإنسان - كائناً من كان - إنما يعيش بعمله ، عيشة الإنسان أم عيشة الحيوان ، فليكن إنساناً كما ربّاه ربه ، وليستعد للقاء ربَّه بعمله . شريعة الكادحين : إن شريعة القرآن وسواه من شرائع إلهية غير محرفة ، إنها شريعة الكدح إلى اللَّه في كافة النشاطات والمجالات ، ولا ترضى لأحد حياة الأريحية ، وأن يجعل كَلَّه على غيره ، ف « ملعون ملعون من ألقى كله على الناس » . فبإمكان الإنسان أن يعيش الكدح إلى اللَّه حياتَه في كافة الحقول : عبادية وسياسية واقتصادية وثقافية وحربية ، وأضرابها من حقول الحياة التي تتطلب - كلٌّ حسبَها - أتعاباً فكرية وعضلانية وسواها ؛ فتصبح أعماله وأفكاره - كلها - في سبيل اللَّه : يعبد اللَّه ويسوس عباد اللَّه سياسة صالحة للَّه ، ويزرع للَّه ، ويتجر ويعمل ويصنع للَّه ، ويتعلم للَّه ، ويحارب في سبيل اللَّه ، فيجعل كافة ميادين الحياة محاريب يتمثل فيها هو مطيعاً لأوامر اللَّه ، وكما الكون أجمع محراب واسع تسجد فيه الكائنات لربها طوعاً أو كرهاً ثم إليه يحشرون . فطوبى للكادحين إلى ربهم إذ لا يدر كون عناءه بما ينتظرهم من رحمة خالدة ، ورضوان من اللَّه أكبر . . وبؤساً وتعساً للكادحين إلى الشهوات الفانية ، فإنهم سوف يدركهم كدحهم