الشيخ محمد الصادقي الطهراني

22

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وأنتم تاركون واجب دعوتهم وأمرهم ونهيهم ، ثم البُعدان المذكوران من ذي قبل هما المشتركان في عذر المؤمن في ترك الدعوة « إلى اللَّه مرجعكم جميعاً » مؤمنين وضالين « فينبئكم بما كنتم تعلمون » من خيِّر وشرير ، وإنباءً عن غفلة وغفوة مقصرة ، وإنباءً عن طاعة قد لا يرجي الفلاح بها ، ثم إنباءً بحصائل الأعمال حيث تجزون ما كنتم تعلمون . وهنا بعدٌ رابع ل « لا يضركم » هو إضرار الإضلال ، فما دام المؤمن حفيفاً على إيمانه بما عنده من طاقات وإمكانيات فلا يخاف « من ضل » أن يضله عن سواء السبيل ، وهذا من أظهر الأبعاد بين كل المحتملات الثلاث سابقة ولا حقه حيث « لا يضركم » إخباراً وإنشاءً تنفي ضرّهم أنفسهم بما يختارون ميّسرين في الضرر لا مسيَّرين ، فحين لا تطبقون مسؤولية « عليكم أنفسكم » كما يجب كفاحاً ضد عراقيلهم ، فهم بإمكانهم أن يضروكم إضلالًا وسواه . فحين يخاطَب الذين آمنوا ب « عليكم أنفسكم » ليس ليُعنى منهم أن يُؤمنوا كأصل ، بل هو إستحكام عرى الإيمان لحد لا ينضرُّ المؤمن بما يضره الكافرون ، وهذه - إذاً - نظيرة : « إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى . فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع سواه فتردى » « 1 » حيث يعني النهي عن الصدِّ الأمرَ باستحكام العقيدة والعملية لصالح يوم الحساب لحد لا يستطيع الكافرون به أن يصدوك عن الساعة عقيدياً أو عملياً . وهكذا يؤمر المؤمنون بإحكام عرى الإيمان في : « عليكم أنفسكم » أن يصبحوا سداً حصيناً مكيناً أميناً لا تضره - على أشده - أية محاولة كافرة ، فإنهم « أشداه على الكفار رحماء بينهم » حيث تعني « رحماء بينهم » تعاملهم في كافة الرحمات ، لكي يصبحوا أشداء على الكفار في كافة العرقلات . إذاً « لا يضركم » تعني كأول محتمل وأقواه ضرُّهم أنفسهُم بما يختارون ضد

--> ( 1 ) ) . سورة طه 20 : 16