الشيخ محمد الصادقي الطهراني

85

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ثم هناك نكتة أخرى هي أدق وأرقى : أن المنقطع إلى اللَّه مشغول عما سواه والمنقطع إلى ما سوى اللَّه مشغول عن اللَّه ، فالجمع بين التبتل - وهو الاشتغال التام باللَّه - وبين التبتيل ، وهو الاشتغال بغير اللَّه ليقطعهم عما سوى اللَّه : ان هذا الجمع لصعب مستصعب ، لكنما الرسول يؤمر في تبتله بالتبتيل ، ففي حين انه مشتغل باللَّه عما سواه ، إنه يشتغل بما سواه لتوجيههم إلى اللَّه ، وهذا هو مقام الجمع في الوحدة والوحدة في الجمع ، يسبح نهاره طويلا في الدعوة إلى اللَّه ، ويلاقي الصعوبات والحرمانات في اللَّه ، وهو متبتل إلى اللَّه ومبتِّل سواه عما سوى اللَّه ، فذكره ذكر واحد ، وعمله واحد ، طالما يختلف في صور الصلاة وترتيل القرآن وذكر اللَّه ، وفي الجهاد والدعوة إلى اللَّه ، فإنه ينحو في هذا السبح الطويل منحى اللَّه ، فتبتُّله تبتيل ، وتبتيله تبتُّل ! . ولطيفة ثالثة : هي أن التبتل هو تقبل للبتْل ، والتبتيل هو فعله ، فقد يعنى بالأول قبوله العصمة الإلهية في انقطاعه إلى اللَّه ، وبالثاني محاولته لانقطاعه من سوى الله سواه إلى اللَّه ، والنتيجة ان انقطاعه الخاص إلى اللَّه ليس من فعله هو فحسب ، وليس تسييراً إلهياً فحسب ، وإنما هو أمر بين أمرين ، جذبة إلهية متممة لمحاولة الانجذاب والانقطاع إلى اللَّه ، وكما العصمة في كل مراحلها ليت إلهية خالصة ولا بشرية خالصة ، إنما هي سعي حسب المستطاع من المعصوم في البداية ، ثم جذبة الهية ، ثم سعي ثان يوافق ويساير تلك العصمة الخاصة الإلهية . فحاصل المعنى من الآية أنه صلى الله عليه وآله أمر بتبتل التبتيل : ينقطع إلى اللَّه على ضوءِ توفيق اللَّه ، وسعيه هو كما يناسب تبتل العصمة ، وفي نفس الوقت يبتِّل غيره إلى اللَّه ، ثم لا يشغله الاشتغال بغير اللَّه في رسالته ، عن اللَّه ، معان ثلاثة هامة تعنى من كلمات ثلاث « وتبتل إليه تبتيلًا » . وليكن كذلك « واذكر اسم ربك » : انه ذكره تعالى في نفسه وأعماله وعلاقاته الشخصية مع اللَّه « واذكر ربك في نفسك » وذكره في نفس الوقت لمن أرسل إليهم « وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغاً » « 1 » دون تفاوت بين الذكرين ، فإنهما ذكر واحد للَّه ، كما أن تبتله

--> ( 1 ) . 4 : 63