الشيخ محمد الصادقي الطهراني
371
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
ولكن نفوسهم الأبيّة ، وصدورهم المنشرحة ، لم تكن توجد فيها حاجة مما أُوتوا من بلغة العيش رغم حاجتهم المدقعة اليه ، ولا حاجة مما أُوتي المهاجرون من الفيء ، بل « ويؤثرون على أنفسهم » الفقراء المهاجرين « ولو كان بهم خصاصة » : حاجة مدقعة ، والخصاصة في الأصل هي الفُرجة ، وهم لم يكن لهم ما يسدُّ فرُج الحياة ، ورغم ذلك ، ومع حياتهم المعيشية المختلة ، هؤلاء الأنصار المحاويج آثروا المهاجرين على أنفسهم مرتين : فيما أُوتوا من الفيء ، وفي أموالهم الخاصة ، تشجيعاً لجنود الهجرة ، وترغيباً للتضحية في سبيل اللَّه ، والإيثار على النفس ، رغم شحِّها أو حاجتها ، إنه القمة العليا من الإنفاق ، وقد بلغها الأنصار في تلك الظروف الصعبة الملتوية ، وكم من بون بينهم وبين من يؤثرون الحياة الدنيا وهم أغنياء : « بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى » . « 1 » ولقد قال النبي صلى الله عليه وآله للأنصار : ( إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الغنيمة كما قسمت لهم ، وإن شئتم كان لهم الغنيمة ولكم دياركم وأموالكم ، فقالوا : لا ، بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في الغنيمة ، فأنزل اللَّه « ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة » . وهذه الآية تعمّ جميع الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، إلى يوم الدين ، دون اختصاص بمن نزلت في شأنهم من الأنصار وسواهم كما في أسباب التنزيل . « 2 » « ومن يوقَ شحَّ نفسه » : بُخل نفسه وتضيّقها « فأولئك هم المفلحون » فإن شح النفس ، وهو الحالة الرديئة التي تُبخل الإنسان في العطاء وتحرصه فيما بأيدي الناس ، « 3 »
--> ( 1 ) . 87 : 16 ( 2 ) . التفسير الكبير للرازي ج 29 : 287 ، عن ابن عباس ( 3 ) . من لا يحضره الفقيه روى الفضل بن أبي قرة السمندي أنه قال : قال لي أبو عبداللَّه أتدري منالشحيح ؟ قلت : هو البخيل ، فقال : الشح أشد من البخل ، إن البخيل يبخل بما في يده والشحيح يشح بما في أيدي الناس وعلى ما في يده حتى لا يرى في أيدي الناس شيئاً إلا تمنى أن يكون له بالحل والحرام ، ولا يقنع بما رزقه اللَّه