الشيخ محمد الصادقي الطهراني
329
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
حال له غامرة ، وطويته بذكر اللَّه عامرة . وأخرى تكون نَعمة ونِقمة يصيب بها آخرين حيث يعلم فسادهم ودَخَلهم وإفسادهم ، وكسادهم عن الإيمان ودَجَلهم ، فإذا القلق على الأموال والأولاد يحوِّل حياته جحيماً وضنكاً . وهذه النَعمة النِقمة في المنافقين أبرز ، حيث ينفقون من أموالهم ، أو يؤخذ منهم ضرائب إسلامية وهم كارهون ، والكفر ملة واحدة في ضنك المعيشة ، حيث لا أمل لأصحابه في مستقبل الحياة ، وهم في صراع دائم بين أموال وأولاد وشؤونات أخرى . وهنا « تزهق أنفسهم وهم كارهون » تعني العذاب الأخير من الحياة الدنيا ، ف « تزهق أنفسهم » بكراهية مزدوجة ، أنهم يستدبرون هذه الثروات الركام لغيرهم ، وهم يستقبلون عذاب الأبد ، وإن كانوا ناكرين له حياتَهم ، حيث يُكشف لهم الغطاء عند المكوت . فبعين يرون الدنيا حسرة وحزناً على تركها ، وبأخرى يرون الأخرى خوفاً على دخولها . فقد يعني تعذيبهم بأموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا أن « تزهق أنفسهم وهم كافرون » فإنه عذاب يكسح وينسي كل رياحة سلفت ، وكفاه عذاباً يمر على الحياة كلها في اللحظة الأخيرة فيجعلها مراً مهما كانت حلوة . كما ويعني أوسع من ذلك إنفاقهم على كره فإنه عذاب فوق عذاب النفاق ، حيث النفاق بنفسه عذاب يجعل الإنسان حيران في إزدواجية شخصية ، دائم المراقبة على نفسه بين طرفي المخاصمة إيماناً وكفراً ، ثم الإنفاق حالة النفاق عذاب على عذاب . وثالث هو أوسع منها تحليقاً على حياة المنافق والكافر تعنيه « من أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكاً » إذ لا مولى له يرتكن عليه إلَّا دنياه المزعزعة التي هي دوماً على شُرُف وشفا جرف هار من الزوال والسقوط والانهيار بأعداء له يتربصون كل الدوائر لاستلاب منصبه وماله ونفسه ، والمؤمن مولاه هو اللَّه ، مطمئناً به قلبه دون تزعزع : « ألا بذكر اللَّه تطمئن القلوب » .