الشيخ محمد الصادقي الطهراني

328

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

« فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ » . « 1 » إذاً « فلا تعجبك » أيها الناظر ، والرسول هنا خارج عن الدور إلّا بمعنى إياك أعني واسمعي يا جارة ، أم تأكيد للحرمة الفطرية والعقلية لذلك الإعجاب ، وخطاب النبي بخصوصه أو بين آخرين يعني أن ذلك الإعجاب محرم على الكل ، وليس النبي لنبوته ومحتده مستثنى عن ذلك ، فإذا كان الإعجاب محرماً عليه فعلى غيره أحرى ، فالنهي قد ينحو نحو المنكر المفعول فنهي عن منكر واقع ، فهو نهي عن المنكر ، أم تشريع لما يكن محرماً أم كان محرماً فطرياً وعقلياً ، فهذا تأكيد وذاك إنشاء للحرمة ، وهما لا يدلان على المخاطب به مقترف لمادة النهي ، وهكذا تكون مناهي الرسول صلى الله عليه وآله اللَّهم إلا فيما كان حلًا ثم حرم ك « أن تجمعوا بين الأختين » وما أشبه ، فمجرد ورود نهي للنبي صلى الله عليه وآله أم سواه لا يدل على أنه اقترف المنهى على حرمته ، إنما هو تجذير ذو احتمالات ثلاث . « لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم » أن تحملك على عَجَب أو عُجْب كأن هذه الأموال والأولاد أعماد لحياتهم بها يعيشون ، ويكأن اللَّه أراد فيها بهم خيراً « إنما » ليس إلا « يريد اللَّه ليعذبهم بها في الحياة الدنيا » عذاباً في الحصول عليها ، وعذاباً في حفاظها ، وعذاباً في ظالمة التصرفات وملتوياتها ، مهما كانت لهم حظوة ظاهرة ، ثم عذاباً - من جراء الدنيا - في الآخرة ، ف « من أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى » « 2 » ومن ضنكها أنهم « تزهق أنفسهم » كارهين حيث يفقدون أموالهم وأولادهم هنا ولا يجدونها هناك إلا عذاباً ف « تزهق وهم كافرون » . فالأموال والأولاد قد تكون نِعمة يسبغها اللَّه على عباد له شاكرين لأنعمه ، مصلحين أنفسهم وذويهم ، فمتجهين بها إلى اللَّه ، دون أن تلهيهم عنه إلى سواه ، فإذا هم مطمئنوا الضمير ساكنوا الأنفس ، واثقين في ذلك المسير حاصلَ المصير ، كلما أنفق من أموال وأولاد في سبيل اللَّه إستروح ، وكلما أصيب إحتسب ، فالسكينة النفسية على أية

--> ( 1 ) . 9 : 550 ( 2 ) . 20 : 124