الشيخ محمد الصادقي الطهراني
316
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
ولقد كان أكابر المهاجرين والأنصار يقولون : لا نستأذن النبي صلى الله عليه وآله في الجهاد فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد أخرى ، فلماذا - إذاً - الاستئذان ؟ وكانوا بحيث لو أمرهم الرسول صلى الله عليه وآله بالقعود لشق عليهم . فترى علياً عليه السلام لما يأمره الرسول صلى الله عليه وآله بأن يبقى في المدينة يشق ذلك عليه حتى يقول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى . والاستئذان المنفي هنا لا يختص بالقعود ، بل هو الظاهر في الخروج ، مما يرجح أن جماعة منهم إستأذنوه للخروج فأذن لهم ، كما وأن « إئذن لي ولا تفتني » هو من آخرين استأذنوه للبقاء ، فقد يصح حمل « لم إذنت لهم » على الأمرين ، إذن في الخروج وإذن في البقاء ، والجهاد في سبيل اللَّه ليس من مسارح الإذن سلباً وإيجاباً . أجل « لا يستأذنك . . إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون باللَّه واليوم الآخر » سواءٌ أكان استئذانهم للجهاد أم تركه ، وهو أحرى دلالة على كفرهم باللَّه واليوم الآخر ، فالإستئذان في هذا المسرح لأيٍّ كان ومن أيٍّ كان ، إنما هو لأولئك الذين خلت قلوبهم من الإيمان فهم يتلمسون المعاذير وهم في ريبهم يترددون ، استئذاناً للخروج وآخر للقعود . ذلك الاستئذان كان للقعود وان استأذنوه بعد للخروج : « فإن رجعك اللَّه إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين » . « 1 » وفي « لا يستأذنك » تلميحة أنهم لم يستأذنوه - فقط - في القعود ، بل وفي الخروج مع المجاهدين أيضاً ليزيدوكم خبالًا ، ولكن المحور في « لم أذنت لهم » هم الذين إستأذنوه لعدم الخروج حيث « لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة . . » . وهنا « لا يستأذنك » علم حادث له صلى الله عليه وآله إذ لو كان يعلمه لكان استئذانهم إياه علماً له بكذبهم ، فلا يرد أنه لم يكن مأذوناً في إذنهم حين أذن لهم ولا يعمه « فأذن لم شئت منهم » .
--> ( 1 ) . 9 : 83