الشيخ محمد الصادقي الطهراني
11
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
أصحاب المشأمة الشمال ، إذ يؤتون كتبهم بشمائلهم إمارَة السقوط ، كما يؤتى أصحاب اليمين بأيمانهم علامة النجاح ، وثم هنا الإجابة عن : أين مكانهم في القيامة . « في سموم وحميم . وظلٍّ من يحموم . لا بارد ولا كريم » ( 56 : 44 ) « في سموم » فالسَمُّ والسُمّ كل ثقب ضيق كسم الخياط ، فالسموم هو النار والريح ، الحاملتا السُمّ ، لطيفتا التأثير ومبالغتاه ، تدخلان البواطن ثقباً ونقباً ، فالهواء هناك ساخنة هباء تنفذ المسام بشواظ سامَّة فتشوي الأجسام ، فكيف إذاً النار ! ثم الماء هناك « حميم » كالنار ، لا يبرد ولا يروي ولا يغني من اللهب ، لأنه نفسه لهب ، وإذا كان المتسمم المحموم قد يخف عن سمِّه وحمِّه بظلٍّ ، فلهؤلاء المناكيد « وظل من يحموم » : دخان لافح خانق : « لا ظليل ولا يغني من اللهب » ( 77 : 31 ) « لا بارد » يخفف عن وطأِ السموم والحميم « ولا كريم » معتدل قد يعدل من شظا حمّته ، أو يخففه عن قمته ، وإنما يزيده تسمماً وخنقاً ولماذا هذا العذاب الخناق : ؟ ل : « انهم كانوا قبل ذلك مترفين . وكانوا يصرون على الحنث العظيم . وكانوا يقولون أإذا متناوكنا تراباً وعظاماً إنا لمبعوثون » ( 56 : 47 ) ثالوث الكفر باللَّه وبرسالات اللَّه وبيوم اللَّه . فالمترف هو الذي أبطرته النعمة وأطغته ودللته ، فأخذ من شهوته فيها مداها ، وانغمس فيها منتهاها ، فليس هو كل ذي نعمة ولا كل طاغ دون نعمة ، وسواءً أكانت نعمة المال التي أغفلته ، أو نعمة القوة أو الجمال التي ألهته ، أو أية نعمة من شأنها الإبطاء والإطغاء ، فجماع هذه النعم ظرف لجماع البطر والطغيان ، ثم وكلٌ على حسبه . فالفقير الذي لا يجد مالًا ولا مجالًا لتحقيق آمال من قوة أو جمال ، إنه مهما كان كافراً لا يصل إلى قمة الكفر والطغيان ، اللهم إلا هامشاً للطغاة المترفين ، فهو أيضاً من المترفين ، إذ أترف في نعمة العقل الداعي إلى عبادة الرحمن ، إلى نقمة الطغيان ، وغرته هؤلاء بما يعدونه ويؤتونه من تافه الأنعام ، فالترف له دركات ، وكما الخروج عنه درجات ، والمترفون بدر