الشيخ محمد الصادقي الطهراني
78
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
انحرافات حول اللَّه 1 « وَلا يَحْسَبَنّ الّذينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لَهُمْ سَيُطَوّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلّهِ ميراثُ السّماواتِ وَاْلأَرْضِ وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبيرٌ » ( 3 : 180 ) . كما أن إملاء الذين كفروا شرٌ لهم ، في أموالهم وأحوالهم ، كذلك إملاء البخلاء في أموالهم ، فرغم أنهم يحسبون بخلهم بما آتاهم اللَّه من فضله خيراً لهم : إذ لا ينقص من أموالهم ، فتصبح ركاماً من المال ، « بل هو شرٌ لهم » ، هنا حيث يحرِّض عليهم المحاويج فيقضون عليهم يوماً مَّا ، ويعيشونه أعداءً طول حياتهم ، ثم هو شر لهم في الأخرى حيث « سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة » طوق النار « 1 » كما طوَّقوا أنفسهم بها في الأولي بخلًا عن إنفاقها في سبيل اللَّه « وللَّه » لا سواه « ميراث السماوات والأرض » بعد تقضِّي الحياة الدنيا ، فلماذا - إذاً - البخل بما آتاهم اللَّه من فضله ؟ فلو كانت هذه الأموال حصيلة مساعيهم - فقط - دون فضل من اللَّه ، لكان إنفاقها مفروضاً بأمر اللَّه ، فضلًا عن أنها - كواقع لامردَّله - من فضل اللَّه ، كما أن طاقاتهم ومساعيهم أيضاً من فضل اللَّه ، ف « أنفقوا مما جعلكم ستخلفين فيه » ! وترى « ما آتاهم اللَّه من فضله » تخص فضل الأموال ؟ وليس فضل اللَّه خاصاً بالمال ، بل إن فضل الحال عملًا وعقلًا ، إنه أفضل من فضل المال كما « وعلَّمك ما لم تكن تعلم وكان
--> ( 1 ) . الدر المنثور 2 : 105 - أخرج الخباري عن أبي هريرة قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : من آتاه اللَّه مالا فلم يؤد زكاتهمُثِّل له شجاع اقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة فيأخذ بهزمتيه عيني شدقه فيقول انا مالك انا كنزك ثم تلا هذه الآية . وفيه اخراج ابن أبي شيبة في مسنده وابن جرير عن حجر عن بن بيات عن النبي صلى الله عليه وآله قال : ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما آتاه اللَّه إياه فيبخل عليه إلا خرج له يوم القيامة من جهنم شجاع يتلمَّظ حتى يطوقه ثم قرأ هذه الآية . وفي نور الثقلين 1 : 414 في الكافي بسند متصل عن محمد بن مسلم قال سألت اباعبداللَّه عليه السلام عن قول اللَّه عز وجل « سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة » فقال : يا محمد ما من أحد منع من زكاة ماله شيئاً إلا جعل اللَّه عز وجل ذلك يوم القيامة ثعباناً من نار مطوّقاً في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب ، ثم قال هو قول اللَّه عز وجل « سيطوّقون . . . » يعني ما بخلوا به من الزكاة