الشيخ محمد الصادقي الطهراني

61

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ولكي يحيدوا عن ظاهرة التناقض يلجئون إلي صيغة « توحيد الثالوث » تمثيلًا له بالذات المقدسة عندنا الموصوفة بالأوصاف الثلاثة الذاتية ، وأين ثلاثة من ثلاثة ؟ ! . فالصفات الذاتيات الثلاث عبارات عن ذات واحدة غير متجزئة ، فليس في الواقع إلَّاوحدة تجردية بسيطة دون أجزاء وصفات عارضة ولا ذاتية مركبة ، ولكنهم يفسرون ثالوثهم بذوات ثلاثة مُنفصلة عن بعضها البعض ولكنها متساوية الجوهر في وحدة حقة حقيقة ! . « 1 » ذلك ، وإلي قول فصل سيأتي على ضوء آية الغلو حول خرافة الثالوث وألوهة المسيح وبنوته عقلياً ونقلياً على ضوء قوله تعالي « يضاهئون قول الذين كفروا من قبل . . » حيث يشير إلي أنها خرافة وثنية عتيقة تسرَّبت في النصارى ثم ترسَّبت فيهم ، فهم ليسوا أُصَلاءَ في هذه الخرافة الجارفة ، بل هم يقتفون آثار مختلف صنوف المشركين في تاريك الاشراك . « أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ » ( 5 : 74 ) : توبة إلي اللَّه مما يقولون على اللَّه من جارفة خارفة هارفة ، واستغفاراً إياه أن يستر عنهم هذه الانحرافات بمخلَّفاتها « واللَّه غفور رحيم » للتائبين إليه المستغفرين إياه . « مَا الْمَسيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ وَأُمّهُ صِدِّيقَةٌ كانا

--> ( 1 ) . هنا يقول الكاتب المسيحي المعاصر رئيس مطارنة بيروت الأستاذ الحداد في ص 44 من كتابه : القرآن والكتاب : « ان توحيد التثليث من ارقى مراتب التوحيد ولم تكن البيئة البدائية في الحجاز لتقوى على استساغته لأنهم ما أوتوا من العلم إلَّاقليلًا ! والنصرانية منذ كانت هي دين التوحيد مع قولها بعقيدة التثليث الا إلهية الواحدة ، فالتثليث المسيحي الصحيح لا يعدِّد ولا يجزء اللاهوت الواحد في اللَّه الأحد ، فالنصرانية أولًا وأخيراً تؤمن بإله واحد كما ينص عليه مطلع دستور إيمانها الذي هو شهادتها تحت كل سماء ، ومن ثم فالايمان في ألوهية عيسى - لا في تألية عيسى - وفي تأنُّسه والتجسد لا يزيد شيئاً ولا ينقض شيئاً من طبيعة الخالق الواحدة ، إذن فالعقيدتان المسيحيتان « التثليث والتجسد » لا تمتان إلي الشرك بصلة ، وإنهما من صميم التوحيد وتعتبر هما النصرانية القديمة في معناهما الصحيح تفسيراً منزلًا لحياة الحي القيوم في ذاته السامية كما نزل به الإنجيل . وهذا التعليم الكامل لم يكن الرسل والحواريون يبشرون به لأول وهلة بل كانوا ينادون بالتوحيد الأركان الأولى لأقوال اللَّه في ديار الثنوية والشرك وبعد توطيد الايمان كانوا يفسرون للمؤمنين غنى الطبيعة إلإلهية في تفاعلها اللامحدود وتثلثها الذاتي اللامتناهي على قدر ما يمكن للعقل البشري المحدود أن يستوعب حياة الحي القيوم للامحدود