ابن أبي الحديد

98

شرح نهج البلاغة

وكان عسكر سعد بضعا وثلاثين ألفا ، وأقام رستم بريدا من الرجال ، الواحد منهم إلى جانب الاخر ، من القادسية إلى المدائن ، كلما تكلم رستم كلمة أداها بعضهم إلى بعض ، حتى تصل إلى سمع يزدجرد في وقتها ، وشهد وقعة القادسية مع المسلمين طليحة بن خويلد ، وعمرو بن معديكرب ، والشماخ بن ضرار ، وعبدة بن الطبيب الشاعر ، وأوس بن معن الشاعر وقاموا في الناس ينشدونهم الشعر ويحرضونهم ، وقرن أهل فارس أنفسهم بالسلاسل لئلا يهربوا ، فكان المقرنون منهم نحو ثلاثين ألفا ، والتحم الفريقان في اليوم الأول ، فحملت الفيلة التي مع رستم على الخيل فطحنتها ، وثبت لها جمع من الرجالة ، وكانت ثلاثة وثلاثين فيلا ، منها فيل الملك ، وكان أبيض عظيما ، فضربت الرجال خراطيم الفيلة بالسيوف فقطعتها ، وارتفع عواؤها وأصيب في هذا اليوم - وهو اليوم الأول - خمسمائة من المسلمين ، وألفان من الفرس . ووصل في الثاني أبو عبيدة بن الجراح من الشام في عساكر من المسلمين ، فكان مددا لسعد ، وكان هذا اليوم على الفرس أشد من اليوم الأول قتل من المسلمين ألفان ، ومن المشركين عشرة آلاف . وأصبحوا في اليوم الثالث على القتال ، وكان عظيما على العرب والعجم معا ، وصبر الفريقان ، وقامت الحرب ذلك اليوم ، وتلك الليلة جمعاء لا ينطقون ، كلامهم الهرير ، فسميت ليلة الهرير . وانقطعت الاخبار والأصوات عن سعد ورستم ، وانقطع سعد إلى الصلاة والدعاء والبكاء ، وأصبح الناس حسرى لم يغمضوا ليلتهم كلها ، والحرب قائمة بعد إلى وقت الظهر ، فأرسل الله تعالى ريحا عاصفا في اليوم الرابع ، أمالت الغبار والنقع على العجم ، فانكسروا ، ووصلت العرب إلى سرير رستم ، وقد قام عنه ليركب جملا ، وعلى رأسه العلم فضرب هلال بن علقمة الحمل الذي رستم فوقه ، فقطع حباله ، ووقع على هلال أحد العدلين ، فأزال فقار ظهره ، ومضى رستم نحو العتيق ، فرمى نفسه فيه ، واقتحم هلال عليه ، فأخذ