ابن أبي الحديد

80

شرح نهج البلاغة

صلى الله عليه وسلم فأثبت المعاد على وجه محقق كامل ، أكمل مما ذكره الأولان ، فقال : إن البدن والنفس معا مبعوثان ، ولكل منهما حظ في الثواب والعقاب . وقد شرح الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا هذا الموضع في رسالة له في المعاد ، تعرف " بالرسالة الأصحوبة " شرحا جيدا ، فقال : إن الشريعة المحمدية أثبتت في القيامة رد النفس إلى البدن ، وجعلت للمثاب والمعاقب ثوابا وعقابا بحسب البدن والنفس جميعا ، فكان للمثاب لذات بدنية من حور عين وولدان مخلدين وفاكهة مما يشتهون ، وكأس لا يصدعون عنها ولا ينزفون ، وجنات تجرى من تحتها الأنهار ، من لبن وعسل وخمر وماء زلال ، وسرر وأرائك وخيام وقباب ، فرشها من سندس وإستبرق ، وما جرى مجرى ذلك . ولذات نفسانية من السرور ومشاهدة الملكوت والامن من العذاب والعلم اليقيني بدوام ما هم فيه ، وأنه لا يتعقبه عدم ولا زوال ، والخلو عن الأحزان والمخاوف . وللمعاقب عقاب بدني ، وهو المقامع من الحديد ، والسلاسل ، والحريق والحميم والغسلين والصراخ والجلود التي كلما نضجت بدلوا جلودا غيرها ، وعقاب نفساني من اللعن والخزي والخجل والندم والخوف الدائم واليأس من الفرج ، والعلم اليقيني بدوام الأحوال السيئة التي هم عليها . قال : فوقت الشريعة الحكمة حقها من الوعد الكامل ، والوعيد الكامل ، وبهما ينتظم الامر ، وتقوم الملة ، فأما النصارى وما ذهبوا إليه من أمر بعث الأبدان ، ثم خلوها في الدار الآخرة من المطعم والملبس والمشرب والمنكح ، فهو أرك ما ذهب إليه أرباب الشرائع وأسخفه ، وذلك أنه إن كان السبب في البعث هو أن الانسان هو البدن ، أو أن البدن شريك النفس في الأعمال الحسنة والسيئة ، فوجب أن يبعث ، فهذا القول بعينه إن أوجب ذلك ، فإنه يوجب أن يثاب البدن ، ويعاقب بالثواب والعقاب البدني المفهوم عند العالم ، وإن كان الثواب والعقاب روحانيا فما الغرض في بعث الجسد ؟ ثم ما ذلك