ابن أبي الحديد
81
شرح نهج البلاغة
الثواب والعقاب الروحانيان ! وكيف تصور العامة ذلك حتى يرغبوا ويرهبوا ! كلا بل لم تصور لهم الشريعة النصرانية من ذلك شيئا ، غير أنهم يكونون في الآخرة كالملائكة ، وهذا لا يفي بالترغيب التام ، ولا ما ذكروه من العقاب الروحاني - وهو الظلمة وخبث النفس - كاف في الترهيب . والذي جاءت به شريعة الاسلام حسن لا زيادة عليه . انقضى كلام هذا الحكيم . * * * فأما كون الاستغفار سببا لنزول القطر ودرور الرزق ، فإن الآية بصريحها ناطقة به ، لأنها أمر وجوابه ، قال : " استغفروا ربكم إنه كان غفارا . يرسل السماء عليكم مدرار ) ، كما تقول : قم أكرمك ، أي إن قمت أكرمتك ، وعن عمر أنه خرج يستسقى ، فما زاد على الاستغفار ، فقيل له : ما رأيناك استسقيت ! فقال : لقد استسقيت بمجاديح ( 1 ) السماء التي يستنزل بها المطر . وعن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب ، فقال : استغفر الله ، فشكا آخر إليه الفقر ، وآخر قلة النسل ، وآخر قلة ريع أرضه ، فأمرهم كلهم بالاستغفار ، فقال له الربيع بن صبيح : رجال أتوك يشكون أبوابا ، ويشكون أنواعا ، فأمرتهم كلهم بالاستغفار ، فتلا له الآية . قوله : " استقبل توبته " أي استأنفها وجددها . واستقال خطيئته : طلب الإقالة منها والرحمة . وبادر منيته : سابق الموت قبل أن يدهمه .
--> ( 1 ) النهاية لابن الأثير 1 : 146 ، قال : " المجاديح ، واحدها مجدح ، والياء زائدة للاشباع ، والقياس أن يكون واحدها " مجداح " ، فأما " مجدح " فجمعه مجادح ، والمجدح : نجم من النجوم ، قيل : هو الدبران ، وقيل : هو ثلاثة كواكب كالأثافي تشبيها بالمجدح الذي له ثلاث شعب ، وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر ، فجعل الاستغفار مشيها بالأنواء مخاطبة لهم بما يعرفون ، لا قولا بالأنواء ، وجاء بلفظ الجمع ، لأنه أراد الأنواء جميعها التي يزعمون أن من شأنها المطر " .