ابن أبي الحديد
79
شرح نهج البلاغة
وقال تعالى : ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ) ( 1 ) . * * * [ الثواب والعقاب عند المسلمين وأهل الكتاب ] وكل ما في التوراة من الوعد والوعيد فهو لمنافع الدنيا ومضارها ، أما منافعها فمثل أن يقول : إن أطعتم باركت فيكم ، وكثرت من أولادكم وأطلت أعماركم ، وأوسعت أرزاقكم ، واستبقيت اتصال نسلكم ، ونصرتكم على أعدائكم ، وإن عصيتم وخالفتم اخترمتكم ونقصت من آجالكم ، وشتت شملكم ، ورميتكم بالجوع والمحل ، وأذللت أولادكم وأشمت بكم أعداءكم ، ونصرت عليكم خصومكم ، وشردتكم في البلاد ، وابتليتكم بالمرض والذل ، ونحو ذلك . ولم يأت في التوراة وعد ووعيد بأمر يتعلق بما بعد الموت . وأما المسيح عليه السلام ، فإنه صرح بالقيامة وبعث الأبدان ، ولكن جعل العقاب روحانيا ، وكذلك الثواب ، أما العقاب فالوحشة والفزع وتخيل الظلمة وخبث النفس وكدرها وخوف شديد ، وأما الثواب فما زاد على أن قال : إنهم يكونون كالملائكة ، وربما قال : يصعدون إلى ملكوت السماء ، وربما قال أصحابه وعلماء ملته : الضوء واللذة والسرور والامن من زوال اللذة الحاصلة لهم . هذا هو قول المحققين منهم ، وقد أثبت بعضهم نارا حقيقية ، لان لفظة " النار " وردت في الإنجيل ، فقال محققوهم : نار قلبية أي نفسية روحانية ، وقال الأقلون : نار كهذه النار . ومنهم من أثبت عقابا غير النار وهو بدني ، فقال : الرعدة وصرير الأسنان ، فأما الجنة بمعنى الأكل والشرب والجماع ، فإنه لم يقل منهم قائل به أصلا ، والإنجيل صرح بانتفاء ذلك في القيامة تصريحا لا يبقى بعده ريب لمرتاب ، وجاء خاتم الأنبياء محمد
--> ( 1 ) سورة الجن 16 .