ابن أبي الحديد
78
شرح نهج البلاغة
فكذلك السماء والأرض أيام الجدب وانقطاع المطر وعدم الكلأ ، ليس ما كان منهما بغضا لكم ، ولا استدفاع ضرر يخاف منكم ، بل طاعة الصانع الحكيم سبحانه فيما سخرهما له ، وإذا كان كذلك فبالحري ألا نأمل السماء ولا الأرض وأن نجعل آمالنا معلقة بالملك الحق المدبر لهما ، وأن نسترحمه وندعوه ونستغفره ، لا كما كانت العرب في الجاهلية يقولون : مطرنا بنوء كذا ، وقد سخط النوء الفلاني على بنى فلان فأمحلوا . ثم ذكر عليه السلام أن الله تعالى يبتلى عباده عند الذنوب بتضييق الأرزاق عليهم ، وحبس مطر السماء عنهم ، وهذا الكلام مطابق للقواعد الكلامية ، لان أصحابنا يذهبون إلى أن الغلاء قد يكون عقوبة على ذنب ، وقد يكون لطفا للمكلفين في الواجبات العقلية وهو معنى قوله : " ليتوب تائب . . . " إلى آخر الكلمات . ويقلع : يكف ويمسك . ثم ذكر أن الله سبحانه جعل الاستغفار سببا في درور الرزق ، واستدل عليه بالآية التي أمر نوح عليه السلام فيها قومه بالاستغفار ، يعنى التوبة عن الذنوب ، وقدم إليهم الموعد بما هو واقع في نفوسهم ، وأحب إليهم من الأمور الأجلة ، فمناهم الفوائد العاجلة ، ترغيبا في الايمان وبركاته ، والطاعة ونتائجها ، كما قال سبحانه للمسلمين : ( وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب ) ( 1 ) فوعدهم بمحبوب الأنفس الذي يرونه في العاجل عيانا ونقدا لا جزاء ونسيئة ، وقال تعالى في موضع آخر : ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) ( 2 ) ، وقال سبحانه : ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) ( 3 )
--> ( 1 ) سورة الصف 13 . ( 2 ) سورة الأعراف 96 . ( 3 ) سورة المائدة 66 .