ابن أبي الحديد

71

شرح نهج البلاغة

وكذلك النهى عن المنكر واجب ، وقد يحتاج الانسان إلى الاستعانة بالغير على تغييره ورد القاضي إلى منهج الصلاح ، فلا بد له أن يشرح للغير حال ذلك الانسان المرتكب المنكر ، ومن ذكر الانسان بلقب مشهور فعرف عن عيبه ، كالأعرج والأعمش المحدثين ، لم يكن مغتابا إذا لم يقصد الغض والنقض . والصحيح أن المجاهر بالفسق لا غيبة له ، كصاحب الماخور والمخنث ، ومن يدعو الناس إلى نفسه ابنة ، وكالعشار والمستخرج بالضرب ، فإن هؤلاء غير كارهين لما يذكرون به ، وربما تفاخروا بذلك ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله : " من ألقى جلباب الحياء عن وجهه ، فلا غيبة له " ، وقال عمر : ليس لفاجر حرمة ، وأراد المجاهر بالفسق ، دون المستتر . وقال الصلت بن طريف : قلت للحسن رحمه الله : الرجل الفاجر المعلن بالفجور غير مراقب ، هل ذكرى له بما فيه غيبة ؟ فقال : لا ، ولا كرامة له ! * * * [ طريق التوبة من الغيبة ] واعلم أن التوبة من الغيبة تكفر عقابها ، والتوبة منه هي الندم عليها ، والعزم على ألا يعود ، فإن لم يكن الشخص المذكور قد بلغته الغيبة ، فلا حاجة إلى الاستحلال منه ، بل لا يجوز إعلامه بذلك ، هكذا قال شيخنا أبو الحسين رحمه الله ، لأنه لم يؤلمه فيحتاج إلى أن يستوهب منه إثم ذلك الإيلام وفى إعلامه تضييق صدره ، وإدخال مشقة عليه ، وإن كان الشخص المذكور قد بلغته الغيبة ، وجب عليه أن يستحله ويستوهبه ، فإن كان قد مات سقط بالتوبة عقاب ما يختص بالبارئ سبحانه من ذلك الوقت ، وبقى ما يختص بذلك الميت لا يسقط حتى يؤخذ العوض له من المذنب يوم القصاص .