ابن أبي الحديد

70

شرح نهج البلاغة

ومنها أن يستشعر من إنسان أنه سيذمه ويطول لسانه فيه ، ويقبح حاله عند بعض الرؤساء ، أو يشهد عليه بشهادة فيبادره قبل أن يقبح حاله ، فيطعن فيه ليسقط أثر شهادته عليه . وقد يبتدئ بذكر بعض ما فيه صادقا ليكذب عليه بعد ذلك ، فيروج كذبه بالصدق الأول . ومنها أن ينسب إلى أمر فيريد التبرؤ منه ، فيذكر الذي فعله ، وكان من حقه أن يبرئ نفسه ، ولا يذكر الذي فعله ، لكنه إنما يذكر غيره تأكيدا لبراءة نفسه ، وكيلا يكون تبرؤا مبتورا ، وربما يعتذر بأن يقول : فلان فعله ، وكنت شريكا في بعض الامر ليبرئ نفسه بعض البراءة . ومنها المباهاة وحب الرياسة ، مثل أن يقول : كلام فلان ركيك ، ومعرفته بالفن الفلاني ناقصة ، وغرضه إظهار فضله عليه . ومنها الحسد وإرادة إسقاط قدر من يمدحه الناس بذكر مساوئه ، لأنه يشق عليه ثناء الناس عليه ، ولا يجد سبيلا إلى سد باب الثناء عليه إلا بذكر عيوبه . ومنها اللعب والهزل والمطايبة وتزجية الوقت بالضحك والسخرية ، فيذكر غيره بما يضحك الحاضرين على سبيل الهزء والمحاكاة . * * * واعلم أن الذي يقوى في نفسي أن الغيبة لا تكون محرمة إلا إذا كانت على سبيل القصد إلى تنقص الانسان فقط وغض قدره ة فأما إذا خرجت مخرجا آخر ، فليست بحرام ، كمن يظلمه القاضي ، ويأخذ الرشوة على إسقاط حقوقه ، فإن له أن يذكر حاله للسلطان متظلما من حيف الحاكم عليه إذ لا يمكنه استيفاء حقوقه إلا بذلك ، فقد قال صلى الله عليه وآله : " مطل الغنى ظلم " ، وقال : " لي ( 1 ) الواجد يحل عقوبته وعرضه " .

--> ( 1 ) يقال : لي عن الامر ، إذا تثاقل .