ابن أبي الحديد
69
شرح نهج البلاغة
كان أحدهما قائلا والاخر مستمعا ، فالمستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه ، فإن خاف فبقلبه ، وإن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام آخر لزمه ذلك ، فإن قال بلسانه : اسكت وهو مريد للغيبة بقلبه ، فذلك نفاق ، ولا يخرجه عن الاثم إلا أن يكرهه بقلبه ، ولا يكفي أن يشير باليد ، أي اكفف ، أو بالحاجب والعين ، فإن ذلك استحقار للمذكور ، بل ينبغي أن يذب عنه صريحا ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " من أذل عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينصره فلم ينصره ، أذله الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق " . * * * [ فصل في الأسباب الباعثة على الغيبة ] واعلم أن الأسباب الباعثة على الغيبة أمور : منها شفاء الغيظ ، وذلك أن يجرى من الانسان سبب يغضب به عليه آخر ، فإذا هاج غضبه تشفى بذكر مساوئه ، وسبق إليها لسانه بالطبع إن لم يكن هناك دين وازع ، وقد يمنع تشفى الغيظ عند الغضب ، فيحتقن الغضب في الباطن ، فيصير حقدا ثابتا ، فيكون سببا دائما لذكر المساوئ . ومنها موافقة الاقران ومساعدتهم على الكلام ، فإنهم إذا اجتمعوا ربما أخذوا يتفكهون بذكر الاعراض ، فيرى أنه لو أنكر أو قطع المجلس استثقلوه ، ونفروا عنه فيساعدهم ، ويرى ذلك من حسن المعاشرة ، ويظن أنه مجاملة في الصحبة ، وقد يغضب رفقاؤه من أمر فيحتاج إلى أن يغضب لغضبهم ، إظهارا للمساهمة في السراء والضراء ، فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوي .