ابن أبي الحديد

68

شرح نهج البلاغة

نقص أخيك فهو غيبة ، فقد يكون ذلك باللسان ، وقد يكون بالإشارة والايماء ، وبالمحاكاة ، نحو أن تمشى خلف الأعرج متعارجا ، وبالكتاب ، فإن القلم أحد اللسانين . و - ذا ذكر المصنف شخصا في تصنيفه ، وهجن كلامه ، فهو غيبة ، فأما قوله : " قال قوم كذا " فليس بغيبة ، لأنه لم يعين شخصا بعينه . وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : " ما بال أقوام يقولون كذا ! " ، فكان لا يعين ، ويكون مقصودة واحدا بعينه . وأخبث أنواع الغيبة غيبة القراء المرائين ، وذلك نحو أن يذكر عندهم إنسان ، فيقول قائلهم : الحمد لله الذي لم يبلنا بدخول أبواب السلطان ، والتبذل في طلب الحطام ، وقصده أن يفهم الغير عيب ذلك الشخص ، فتخرج الغيبة في مخرج الحمد والشكر لله تعالى ، فيحصل من ذلك غيبة المسلم ، ويحصل منه الرياء ، وإظهار التعفف عن الغيبة وهو واقع فيها ، وكذلك يقول : لقد ساءني ما يذكر به فلان ، نسأل الله أن يعصمه ، ويكون كاذبا في دعوى أنه ساءه ، وفي إظهار الدعاء له ، بل لو قصد الدعاء له لأخفاه في خلوة عقب صلواته ، ولو كان قد ساءه لساءه أيضا إظهار ما يكرهه ذلك الانسان . * * * واعلم أن الاصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب كالغيبة ، بل أشد ، لأنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة ، فيندفع فيها حكاية ، يستخرج الغيبة منه بذلك ، وإذا كان السامع الساكت شريك المغتاب ، فما ظنك بالمجتهد في حصول الغيبة ، والباعث على الاستزادة منها ! وقد روى أن أبا بكر وعمر ذكرا إنسانا عند رسول الله ، فقال أحدهما : إنه لنؤوم ، ثم أخرج رسول الله صلى الله عليه وآله خبزا قفارا ، فطلبا منه أدما ( 1 ) فقال : قد ائتدمتما ، قالا : ما نعلمه ، قال : " بلى بما أكلتما من لحم صاحبكما " ، فجمعهما في الاثم ، وقد

--> ( 1 ) الخبز القفار : ما كان بغير أدم ، والأدم : ما يؤتدم به .