ابن أبي الحديد
67
شرح نهج البلاغة
أو متكبر ، أوفى أفعاله الدنيئة نحو قولك : كذاب وظالم ومتهاون بالصلاة ، أو الدنيوية نحو قولك : قليل الأدب متهاون بالناس ، كثير الكلام ، كثير الاكل ، أوفى ثوبه كقولك : وسخ الثياب ، كبير العمامة ، طويل الأذيال . وقد قال قوم : لا غيبة في أمور الدين ، لان المغتاب إنما ذم ما ذمه الله تعالى ، واحتجوا بما روى أنه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله امرأة وكثرة صومها وصلاتها ، ولكنها تؤذى جارتها ، فقال : " هي في النار " ، ولم ينكر عليهم غيبتهم إياها . وروى أن امرأة ذكرت عنده عليه السلام بأنها بخيلة : فقال : " فما خيرها إذن " ! وأكثر العلماء على أن الغيبة في أمور الدين محرمة أيضا ، وادعوا الاجماع على أن من ذكر غيره بما يكرهه فهو مغتاب ، سواء أكان في الدين أو في غيره . قالوا : والمخالف مسبوق بهذا الاجماع ، وقالوا : وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : " هل تدرون ما الغيبة " ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : " ذكرك أخاك بما يكرهه " ، فقائل قال : أرأيت يا رسول الله ، إن كان ذلك في أخي ؟ قال : " إن كان فيه فقد اغتبته ، وإن لم يكن فقد بهته " ( 1 ) . قالوا : وروى معاذ بن جبل أن رجلا ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال قوم : ما أعجزه ! فقال عليه السلام : " اغتبتم صاحبكم " ، فقالوا : قلنا ما فيه ، فقال : " إن قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه . قالوا : وما احتج به الزاعمون أن لا غيبة في الدين ، ليس بحجة ، لان الصحابة إنما ذكرت ذلك في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله لحاجتها إلى تعرف الاحكام بالسؤال ، ولم يكن غرضها التنقص . واعلم أن الغيبة ليست مقصورة على اللسان فقط ، بل كل ما عرفت به صاحبك
--> ( 1 ) بهته ، أي قذفته بالباطل .