ابن أبي الحديد
4
شرح نهج البلاغة
له أسماء النحرانية ، يا أبا كعب ، أحقينا كان أم حليبا ( 1 ) قال ، إنك لبطالة ، كان يعصم من الجوع ويروى من الظمأ ، أما إني حدثت بهذا نفرا من قومي ، منهم علي بن الحارث سيد بنى قنان ، فلم يصدقني ، وقال ما أظن الذي تقول كما قلت ! فقلت : الله أعلم بذلك . ورجعت إلى منزلي ، فبت ليلتي تلك ، فإذا به صلاة الصبح على بابي ، فخرجت إليه ، فقلت : رحمك الله ! لم تعنيت ؟ ألا أرسلت إلى فأتيك ! فإني لاحق بذلك منك . قال : ما نمت الليلة إلا أتاني آت فقال : أنت الذي تكذب من يحدث بما أنعم الله عليه ! قال أبو كعب : ثم خرجت حتى أتيت المدينة ، فأتيت عثمان بن عفان ، وهو الخليفة يومئذ ، فسألته عن شئ من أمر ديني ، وقلت : يا أمير المؤمنين ، إني رجل من أهل اليمن من بنى الحارث بن كعب ، وإني أريد أن أسألك فأمر حاجبك ألا يحجبني ، فقال : يا وثاب إذا جاءك هذا الحارثي ، فأذن له . قال : فكنت إذا جئت ، فقرعت الباب ، قال : من ذا ؟ فقلت : الحارثي ، فيقول : ادخل ، فدخلت يوما فإذا عثمان جالس ، وحوله نفر سكوت لا يتكلمون ، كأن على رؤوسهم الطير ، فسلمت ثم جلست ، فلم أسأله عن شئ لما رأيت من حالهم وحاله ، فبينا أنا كذلك إذ جاء نفر ، فقالوا : إنه أبى أن يجئ ، قال : فغضب وقال : أبى أن يجئ ! اذهبوا فجيئوا به ، فإن أبى فجروه جرا . قال : فمكثت قليلا فجاءوا ومعهم رجل آدم طوال أصلع ، في مقدم رأسه شعرات ، وفى قفاه شعرات ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : عمار بن ياسر ، فقال له عثمان : أنت الذي تأتيك رسلنا فتأبى أن تجئ ! قال فكلمه بشئ لم أدر ما هو ، ثم خرج . فما زالوا
--> ( 1 ) الحقين : اللبن الذي قد حقن في السقاء لتخرج زبدته . والحليب : اللبن المحلوب الذي لم يتغير طعمه .