ابن أبي الحديد
27
شرح نهج البلاغة
لم يقم منه صورة حجة تغنى ، ولا دلالة تحسب وتكفي ، ولذلك لم يحتج علي عليه السلام يوم السقيفة بما ورد فيه ، لأنه لم يكن نصا جليا يقطع العذر ، ويوجب الحجة ، وعادة الملوك إذا تمهد ملكهم ، وأرادوا العقد لولد من أولادهم ، أو ثقة من ثقاتهم ، أن يصرحوا بذكره ، ويخطبوا باسمه على أعناق المنابر ، وبين فواصل الخطب ، ويكتبوا بذلك إلى الآفاق البعيدة عنهم ، والأقطار النائية منهم ، ومن كان منهم ذا سرير وحصن ومدن كثيرة ، ضرب اسمه على صفحات الدنانير والدراهم مع اسم ذلك الملك ، بحيث تزول الشبهة في أمره ، ويسقط الارتياب بحاله ، فليس أمر الخلافة بهين ولا صغير ليترك حتى يصير في مظنة الاشتباه واللبس ، ولعله كان لرسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك عذر لا نعلمه نحن ، إما خشية من فساد الامر أو إرجاف المنافقين ، وقولهم : إنها ليس بنبوة وإنما هي ملك به أوصى لذريته وسلالته ، ولما لم يكن أحد من تلك الذرية في تلك الحال صالحا للقيام بالامر لصغر السن ، جعله لأبيهم ، ليكون في الحقيقة لزوجته التي هي ابنته ولأولاده منها من بعده . وأما ما تقوله المعتزلة وغيرهم من أهل العدل : إن الله تعالى علم أن المكلفين يكونون على ترك الامر مهملا غير معين أقرب إلى فعل الواجب وتجنب القبيح . قال : ولعل رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يعلم في مرضه أنه يموت في ذلك المرض ، وكان يرجو البقاء فيمهد للإمامة قاعدة واضحة ، ومما يدل على ذلك أنه لما نوزع في إحضار الدواة والكتف ليكتب لهم مالا يضلون بعده ، غضب وقال : اخرجوا عنى ، لم يجمعهم بعد الغضب ثانية ويعرفهم رشدهم ، ويهديهم إلى مصالحهم ، بل أرجأ الامر إرجاء من يرتقب الإفاقة وينتظر العافية . قال : فبتلك الأقوال المحجمة ، والكنايات المحتملة ، والرموز المشتبهة مثل حديث