ابن أبي الحديد
28
شرح نهج البلاغة
خصف النعل ، ومنزلة هارون من موسى ، ومن كنت مولاه ، وهذا يعسوب الدين ، ولا فتى إلا على ، وأحب خلقك إليك ، وما جرى هذا المجرى ، مما لا يفصل الامر ، ويقطع العذر ويسكت الخصم ، ويفحم المنازع ، وثبت الأنصار فادعتها ، ووثب بنو هاشم فادعوها ، وقال أبو بكر : بايعوا عمر أو أبا عبيدة ، وقال العباس لعلى : امدد يدك لأبايعك ، وقال قوم ممن رعف به الدهر فيما بعد ، ولم يكن موجودا حينئذ : إن الامر كان للعباس لأنه العم الوارث ، وإن أبا بكر وعمر غصباه حقه ، فهذا أحدهما . وأما السبب الثاني للاختلاف ، فهو جعل عمر الامر شورى في الستة ، ولم ينص على واحد بعينه ، إما منهم أو من غيرهم ، فبقي في نفس كل واحد منهم أنه قد رشح للخلافة وأهل للملك والسلطنة فلم يزل ذلك في نفوسهم وأذهانهم مصورا بين أعينهم ، مرتسما في خيالاتهم ، منازعة إليه نفوسهم ، طامحة نحوه عيونهم ، حتى كان من الشقاق بين على وعثمان ما كان ، وحتى أفضى الامر إلى قتل عثمان . وكان أعظم الأسباب في قتله طلحة ، وكان لا يشك أن الامر له من بعده لوجوه : منها سابقته ، ومنها أنه ابن عم لأبي بكر ، وكان لأبي بكر في نفوس أهل ذلك العصر منزلة عظيمة ، أعظم منها الان . ومنها أنه كان سمحا جوادا ، وقد كان نازع عمر في حياة أبى بكر ، وأحب أن يفوض أبو بكر الامر إليه من بعده ، فما زال يفتل في الذروة والغارب في أمر عثمان ، وينكر له القلوب ، ويكدر عليه النفوس ، ويغري أهل المدينة والاعراب وأهل الأمصار به . وساعده الزبير ، وكان أيضا يرجو الامر لنفسه ، ولم يكن رجاؤهما الامر بدون رجاء على ، بل رجاؤهما كان أقوى لان عليا دحضه الأولان ، وأسقطاه ، وكسر ناموسه بين الناس ، فصار نسيا منسيا ، ومات الأكثر ممن يعرف خصائصه التي كانت في أيام النبوة وفضله ، ونشأ قوم لا يعرفونه ولا يرونه إلا رجلا من عرض المسلمين ، ولم يبق له مما يمت به إلا أنه ابن عم الرسول ، وزوج ابنته ، وأبو سبطيه ، ونسي ما وراء ذلك كله ، واتفق له من بغض