ابن أبي الحديد

23

شرح نهج البلاغة

عليه السلام كلام ، فقال عثمان : ما أصنع إن كانت قريش لا تحبكم ، وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين ، كأن وجوههم شنوف الذهب ، تصرع أنفهم قبل شفاههم ! وروى المذكور أيضا أن عثمان لما نقم الناس عليه ما نقموا ، قام متوكئا على مروان فخطب الناس ، فقال : إن لكل أمة آفة ، ولكل نعمة عاهة ، وإن آفة هذه الأمة ، وعاهة هذه النعمة قوم عيابون طعانون ، يظهرون لكم ما تحبون ، ويسرون ما تكرهون ، طغام مثل النعام ، يتبعون أول ناعق ، ولقد نقموا على ما نقموا على عمر مثله ، فقمعهم ووقمهم ( 1 ) وإني لأقرب ناصرا وأعز نفرا ، فما لي لا أفعل في فضول ( 3 ) الأموال ما أشاء ! وروى المذكور أيضا أن عليا عليه السلام اشتكى فعاده عثمان ، فقال : ما أراك أصبحت إلا ثقيلا ! قال : أجل ، قال : والله ما أدرى أموتك أحب إلى أم حياتك ! إني لأحب موتك ، وأكره أن أعيش بعدك ، فلو شئت جعلت لنا من نفسك مخرجا ، إما صديقا مسالما وإما عدوا مغالبا ، وإنك لكما قال أخو إياد : ( 3 ) . جرت لما بيننا حبل الشموس * فلا يأسا مبينا نرى منها ولا طمعا فقال علي عليه السلام : ليس لك عندي ما تخافه ، وإن أجبتك لم أجبك إلا بما تكرهه . وكتب عثمان إلى علي عليه السلام حين أحيط به ، أما بعد : فقد جاوز الماء الزبى ، وبلغ الحزام الطبيين ، وتجاوز الامر في قدره ، فطمع في من لا يدفع عن نفسه .

--> ( 1 ) وقمهم : أذلهم . ( 2 ) فضول الأموال : الزائدة عن الحاجة . ( 3 ) هو لقيط بن يعمر الأيادي . ( 4 ) من قصيدة ينذر بها قومه غزو كسرى . إياهم ، وأولها : يا دار عمرة من محتلها الجرعا * هاجت لي الهم والأحزان والوجعا في مختارات ابن الشجري - 6 .