ابن أبي الحديد

20

شرح نهج البلاغة

بدا بحتر ما رام نال وإن يرم * يخض دونه غمرا من الغر رائمه لنا ولهم منا ومنهم على العدى * مراتب عز مصعدات سلالمه وأما قولك في هيج العدو إياك علينا ، وإغرائه لك بنا ، فوالله ما أتاك العدو من ذلك شيئا إلا وقد أتانا بأعظم منه ، فمنعنا مما أراد ما منعك من مراقبة الله والرحم ، وما أبقيت أنت ونحن إلا على أدياننا وأعراضنا ومروءاتنا ، ولقد لعمري طال بنا وبك هذا الامر حتى تخوفنا منه على أنفسنا ، وراقبنا منه ما راقبت . وأما مساءلتك إيانا عن رأينا فيك ، وما ننطوي عليه لك ، فإنا نخبرك أن ذلك إلى ما تحب ، لا يعلم واحد منا من صاحبه إلا ذلك ، ولا يقبل منه غيره ، وكلانا ضامن على صاحبه ذلك وكفيل به ، وقد برأت أحدنا وزكيته ، وأنطقت الاخر وأسكته ، وليس السقيم منا مما كرهت بأنطق من البرئ فيما ذكرت ، ولا البرئ منا مما سخطت بأظهر من السقيم فيما وصفت ، فإما جمعتنا في الرضا ، وإما جمعتنا في السخط ، لنجازيك بمثل ما تفعل بنا في ذلك ، مكايلة الصاع بالصاع ، فقد أعلمناك رأينا ، وأظهرنا لك ذات أنفسنا ، وصدقناك ، والصدق كما ذكرت أنجى وأسلم ، فأجب إلى ما دعوت إليه ، وأجلل عن النقض والغدر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضع قبره ، واصدق تنج وتسلم ، ونستغفر الله لنا ولك . قال ابن عباس : فنظر إلى علي عليه السلام نظر هيبة ، وقال : دعه حتى يبلغ رضاه فيما هو فيه ، فوالله لو ظهرت له قلوبنا ، وبدت له سرائرنا ، حتى رآها بعينه كما يسمع الخبر عنها بأذنه ، ما زال متجرما منتقما ، والله ما أنا ملقى على وضمة ( 1 ) ، وإني لمانع ما وراء ظهري ، وإن هذا الكلام لمخالفة منه وسوء عشرة . فقال عثمان : مهلا أبا حسن ! فوالله إنك لتعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفني

--> ( 1 ) الوضم في الأصل : خشبة الجزار يقطع عليها اللحم ، وفى المثل : " تركهم لحما على وضم " ، أي أوقع بهم فأوجعهم .