ابن أبي الحديد
21
شرح نهج البلاغة
بغير ذلك يوم يقول وأنت عنده : " - ن من أصحابي لقوما سالمين لهم ، وإن عثمان لمنهم ، إنه لأحسنهم بهم ظنا ، وأنصحهم لهم حبا " . فقال علي عليه السلام : فتصدق قوله صلى الله عليه وسلم بفعلك . وخالف ما أنت الان عليه ، فقد قيل لك ما سمعت وهو كاف إن قبلت . قال عثمان : تثق يا أبا الحسن ! قال : نعم أثق ولا أظنك فاعلا ، قال عثمان : قد وثقت وأنت ممن لا يخفر صاحبه ، ولا يكذب لقيله . قال ابن عباس : فأخذت بأيديهما ، حتى تصافحا وتصالحا وتمازحا ، ونهضت عنهما ، فتشاورا وتآمرا وتذاكرا ، ثم افترقا ، فوالله ما مرت ثالثة حتى لقيني كل واحد منهما يذكر من صاحبه مالا تبرك عليه الإبل . فعلمت أن لا سبيل إلى صلحهما بعدها . * * * وروى أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب " أخبار السقيفة " عن محمد بن قيس الأسدي ، عن المعروف بن سويد ، قال : كنت بالمدينة أيام بويع عثمان ، فرأيت رجلا في المسجد جالسا ، وهو يصفن ( 1 ) بإحدى يديه على الأخرى ، والناس حوله ، ويقول : واعجبا من قريش واستئثارهم بهذا الامر على أهل هذا البيت ، معدن الفضل ، ونجوم الأرض ، ونور البلاد ! والله إن فيهم لرجلا ما رأيت رجلا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى منه بالحق ، ولا أقضى بالعدل ، ولا آمر بالمعروف ، ولا أنهى عن المنكر ، فسألت عنه فقيل : هذا المقداد ، فتقدمت إليه ، وقلت : أصلحك الله ! من الرجل الذي تذكر ؟ فقال : ابن عم نبيك رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ! قال : فلبثت ما شاء الله . ثم إني لقيت أبا ذر رحمه الله ، فحدثته ما قال المقداد ، فقال : صدق ، قلت : فما يمنعكم أن تجعلوا هذا الامر فيهم ! قال : أبى ذلك قومهم ، قلت : فما يمنعكم أن تعينوهم ! قال : مه لا تقل هذا ، إياكم والفرقة والاختلاف !
--> ( 1 ) يصفن : يضرب .