ابن أبي الحديد

107

شرح نهج البلاغة

والتي هي أقوم : يعنى الحالة والخلة التي اتباعها أقوم ، وهذا من الألفاظ القرآنية ، قال سبحانه : ( إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم ) ( 1 ) . والمراد بتلك الحالة المعرفة بالله وتوحيده ووعد له . ثم نهى عليه السلام عن التكبر والتعظم وقال : إن رفعة القوم الذين يعرفون عظمة الله أن يتواضعوا له . وما هاهنا ، بمعنى أي شئ ومن روى بالنصب جعلها زائدة . وقد ورد في ذم التعظم والتكبر ما يطول استقصاؤه ، وهو مذموم على العباد ، فكيف بمن يتعظم على الخالق سبحانه وإنه لمن الهالكين ! وقال رسول الله صلى الله عليه وآله لما افتخر : " أنا سيد ولد آدم " ، ثم قال : " ولا فخر " ، فجهر بلفظة الافتخار ، ثم أسقط استطالة الكبر ، وإنما جهر بما جهر به ، لأنه أقامه مقام شكر النعمة والتحدث بها ، وفى الحديث المرفوع عنه صلى الله عليه وآله : " إن الله قد أذهب عنكم حمية الجاهلية وفخرها بالآباء ، الناس بنو آدم وآدم من تراب ، مؤمن تقى ، وفاجر شقي . لينتهين أقوام يفخرون برجال ، إنما هم فحم من فحم جهنم ، أو ليكونن أهون على الله من جعلان تدفع النتن بأنفها " . قوله : " واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه " ، فيه تنبيه على أنه يجب البراءة من أهل الضلال ، وهو قول أصحابنا جميعهم ، فإنهم بين مكفر لمن خالف أصول التوحيد والعدل - وهم الأكثرون - أو مفسق ، وهم الأقلون ، وليس أحد منهم معذورا عند أصحابنا وان ضل بعد النظر ، كمالا تعذر اليهود والنصارى إذا ضلوا بعد النظر . ثم قال عليه السلام : " فالتمسوا ذلك عند أهله " ، هذا كناية عنه عليه السلام ، وكثيرا ما يسلك هذا المسلك ، ويعرض هذا التعريض ، وهو الصادق الأمين العارف بأسرار الإلهية .

--> ( 1 ) سورة الإسراء 9 .