ابن أبي الحديد

33

شرح نهج البلاغة

العراق فإنهم أهل فتنة ونفاق ، وله مع ذلك هوى يرديه ، وبطانة تغويه فوالذي نفسي بيده لئن أفلت من حبائلك ، ليجهزن إليك جيشا تكثر صواهله ، لشر يوم لك . فقال عبد الله وهو في القيد : يا بن الأبتر ، هلا كانت هذه الحماسة عندك يوم صفين ، ونحن ندعوك إلى البراز ، وتلوذ بشمائل الخيل كالأمة السوداء والنعجة القوداء ( 1 ) ! أما إنه إن قتلني قتل رجلا كريم المخبرة ، حميد المقدرة ( 2 ) ، ليس بالجبس المنكوس ، ولا الثلب ( 3 ) المركوس . فقال عمرو : دع كيت وكيت ، فقد وقعت بين لحيي لهزم فروس للأعداء ، يسعطك إسعاط الكودن ( 4 ) الملجم . قال عبد الله : أكثر إكثارك ، فإني أعلمك بطرا في الرخاء ، جبانا في اللقاء هيابة عند كفاح الأعداء ، ترى أن تقى مهجتك بأن تبدى سوأتك . أنسيت صفين وأنت تدعى إلى النزال ، فتحيد عن القتال ، خوفا أن يغمرك رجال لهم أبدان شداد ، وأسنة حداد ، ينهبون السرح ، ويذلون العزيز ! قال عمرو : لقد علم معاوية أنى شهدت تلك المواطن ، فكنت فيها كمدرة الشوك ، ولقد رأيت أباك في بعض تلك المواطن تخفق أحشاؤه ، وتنق أمعاؤه . قال : أما والله لو لقيك أبى في ذلك المقام ، لارتعدت منه فرائصك ، ولم تسلم منه مهجتك ، ولكنه قاتل غيرك فقتل دونك . فقال معاوية ألا تسكت لا أم لك ! فقال : يا بن هند ، أتقول لي هذا ! والله لئن شئت لأعرقن جبينك ، ولأقيمنك وبين عينيك وسم يلين له أخدعاك . أبأكثر من الموت تخوفني ! فقال معاوية أو تكف يا بن أخي ! وأمر به إلى السجن . فقال عمرو : وذكر الأبيات ، فقال عبد الله : وذكر الأبيات أيضا ، وزاد : " فأطرق معاوية طويلا حتى ظن أنه لن يتكلم " ثم قال :

--> ( 1 ) القوداء : الذليلة المنقادة . ( 2 ) المقدرة ، مثلثة الدال : القوة واليسار . ( 3 ) الثلب : المعيب . ( 4 ) الكودن : البرذون يوكف ويشبه به البليد .