ابن أبي الحديد
15
شرح نهج البلاغة
البارحة فنظر ، إليه علي عليه السلام نظر ، منكر ونادى منادى علي عليه السلام : أن اتعدوا للقتال ، واغدوا عليه ، وانهدوا إلى عدوكم . فكلهم تحرك إلا ربيعة لم تتحرك ، فبعث إليهم علي عليه السلام : أن انهدوا إلى عدوكم ، فبعث إليهم أبا ثروان ، فقال : إن أمير المؤمنين عليه السلام يقرئكم السلام ، ويقول لكم : يا معشر ربيعة ، ما لكم لا تنهدون إلى عدوكم وقد نهد الناس ؟ قالوا : كيف ننهد وهذه الخيل من وراء ظهرنا ! قل لأمير المؤمنين : فليأمر همدان أو غيرها بمناجزتهم لننهد . فرجع أبو ثروان إلى علي عليه السلام ، فأخبره فبعث إليهم الأشتر ، فقال : يا معشر ربيعة ، ما منعكم أن تنهدوا وقد نهد الناس - وكان جهير الصوت - وأنتم أصحاب كذا وأصحاب كذا ! ، فجعل يعدد أيامهم . فقالوا : لسنا نفعل حتى ننظر ما تصنع هذه الخيل التي خلف ظهورنا ، وهي أربعة آلاف ! قل لأمير المؤمنين فليبعث إليهم من يكفيه أمرهم . وراية ربيعة يومئذ مع الحضين ( 1 ) بن المنذر . فقال لهم الأشتر : فان أمير المؤمنين يقول لكم : أكفونيها ، إنكم لو بعثتم إليهم طائفة منكم لتركوكم في هذه الفلاة ، وفروا كاليعافير ( 2 ) . فوجهت حينئذ ربيعة إليهم تيم الله والنمر بن قاسط وعنزة . قالوا : فمشينا إليهم مستلئمين مقنعين في الحديد ، وكان عامة قتال صفين مشيا . قال : فلما أتيناهم هربوا وانتشروا انتشار الجراد فذكرت قوله ة " وفروا كاليعافير " . ثم رجعنا إلى أصحابنا وقد نشب القتال بينهم وبين أهل الشام ، وقد اقتطع أهل الشام طائفة من أهل العراق ، بعضها من ربيعة فأحاطوا بها فلم نصل إليها حتى حملنا على أهل الشام فعلوناهم بالأسياف ، حتى انفرجوا لنا ، فأفضينا إلى أصحابنا فاستنقذناهم ، وعرفناهم تحت النقع بسيماهم وعلامتهم ، وكانت علامة أهل العراق بصفين الصوف الأبيض قد جعلوه في رؤوسهم وعلى
--> ( 1 ) في الأصول : " حصين " بالصاد المهملة ، تصحيف . وهو الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي ، كان من كبار التابعين ، وانظر المؤتلف 87 . ( 2 ) اليعافر : جمع يعفور ، وهو الظبي .