ابن أبي الحديد
94
شرح نهج البلاغة
الأنصاري على عشرة آلاف ، ولفلان وفلان ، حتى اجتمع له مائة ألف سيف ، وأخرج مقدمته أمامه يريد الشام فضربه اللعين ابن ملجم ، وكان من أمره ما كان ، وانفضت تلك الجموع ، وكانت كالغنم فقد راعيها . ومعنى قوله : " ألنتم له رقابكم " أطعتموه ، ومعنى " أشرتم إليه بأصابعكم " أعظمتموه وأجللتموه ، كالملك الذي يشار إليه بالإصبع ، ولا يخاطب باللسان . ثم أخبرهم أنهم يلبثون بعده ما شاء الله ، ولم يحدد ذلك بوقت معين . ثم يطلع الله لهم من يجمعهم ويضمهم ، يعنى من أهل البيت عليه السلام ، وهذا إشارة إلى المهدى الذي يظهر في آخر الوقت . وعند أصحابنا أنه غير موجود الآن وسيوجد ، وعند الإمامية أنه موجود الآن . قوله عليه السلام : " فلا تطمعوا في غير مقبل ، ولا تيأسوا من مدبر " ، ظاهر هذا الكلام متناقض ، وتأويله أنه نهاهم عن أن يطمعوا في صلاح أمورهم على يد رئيس غير مستأنف الرياسة ، وهو معنى مقبل أي قادم ، تقول : سوف أفعل كذا في الشهر المقبل ، وفي السنة المقبلة ، أي القادمة ، يقول : كل الرئاسات التي تشاهدونها فلا تطمعوا في صلاح أموركم بشئ منها ، وإنما تنصلح أموركم على يد رئيس يقدم عليكم ، مستأنف الرياسة خامل الذكر ، ليس أبوه بخليفة ، ولا كان هو ولا أبوه مشهورين بينكم برياسة ، بل يتبع ويعلو أمره ، ولم يكن قبل معروفا هو ولا أهله الأدنون ، وهذه صفة المهدى الموعود به . ومعنى قوله : " ولا تيأسوا من مدبر " ، أي وإذا مات هذا المهدى وخلفه بنوه بعده ، فاضطرب أمر أحدهم فلا تيأسوا وتتشككوا ، وتقولوا : لعلنا أخطأنا في اتباع هؤلاء ، فإن المضطرب الامر منا ستثبت دعائمه ، وتنتظم أموره ، وإذا زلت إحدى رجليه ثبتت