ابن أبي الحديد

81

شرح نهج البلاغة

والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ، وعلى أثر الماضي ما يمضى الباقي ! ألا فاذكروا هاذم اللذات ، ومنغص الشهوات ، وقاطع الأمنيات ، عند المساورة للأعمال القبيحة ، واستعينوا الله على أداء واجب حقه ، وما لا يحصى من أعداد نعمه وإحسانه . * * * الشرح : لما كان الماضي معلوما جعل الحمد بإزائه ، لان المجهول لا يحمد عليه ، ولما كان المستقبل غير معلوم جعل الاستعانة بإزائه ، لان الماضي لا يستعان عليه ، ولقد ظرف وأبدع عليه السلام في قوله : " ونسأله المعافاة في الأديان ، كما نسأله المعافاة في الأبدان " ، وذلك أن للأديان سقما وطبا وشفاء ، كما أن للأبدان سقما وطبا وشفاء ، قال محمود الوراق : وإذا مرضت من الذنوب فداوها * بالذكر إن الذكر خير دواء والسقم في الأبدان ليس بضائر * والسقم في الأديان شر بلاء وقيل لأعرابي : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي ، قيل : فما تشتهى ؟ قال : الجنة ، قيل : أفلا ندعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أمرضني . سمعت عفيرة بنت الوليد البصرية العابدة رجلا يقول : ما أشد العمى على من كان بصيرا ! فقالت : عبد الله ! غفلت عن مرض الذنوب ، واهتممت بمرض الأجساد ، عمى القلوب عن الله أشد من عمى العين عن الدنيا ، وددت أن الله وهب لي كنه محبته ، ولم يبق منى جارحة إلا تبلها ( 1 ) . قيل لحسان بن أبي سنان في مرضه : ما مرضك ؟ قال : مرض لا يفهمه الأطباء ، قيل :

--> ( 1 ) تبلها : أسقمها .