ابن أبي الحديد
80
شرح نهج البلاغة
( 98 ) الأصل : ومن خطبة له عليه السلام : نحمده على ما كان ، ونستعينه من أمرنا على ما يكون ، ونسأله المعافاة في الأديان ، كما نسأله المعافاة في الأبدان . أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم وإن لم تحبوا تركها ، والمبلية لأجسامكم وإن كنتم تحبون تجديدها ، فإنما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه ، وأموا علما فكأنهم قد بلغوه . وكم عسى المجرى إلى الغاية أن يجرى إليها حتى يبلغها ! وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه ، وطالب حثيث من الموت يحدوه ، ومزعج في الدنيا عن الدنيا حتى يفارقها رغما ! فلا تنافسوا في عز الدنيا وفخرها ، ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها ، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها ، فإن عزها وفخرها إلى انقطاع ، وزينتها ونعيمها إلى زوال ، وضراءها وبؤسها إلى نفاد ، وكل مدة فيها إلى انتهاء ، وكل حي فيها إلى فناء . أوليس لكم في آثار الأولين مزدجر ، وفي آبائكم الأولين تبصرة ومعتبر ، إن كنتم تعقلون ! أولم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون ، وإلى الخلف الباقين لا يبقون ! أولستم ترون أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى : فميت يبكى ، وآخر يعزى ، وصريع مبتلى ، وعائد يعود ، وآخر بنفسه يجود ، وطالب للدنيا