ابن أبي الحديد

54

شرح نهج البلاغة

ما كان منكرا من الاعتقادات ، ولا ما يتعلق بالأمانة ، بل الزنا وشرب الخمر ونحوهما من الأفعال القبيحة . فإن قلت : أي فرق بين الامرين ؟ قلت : لان تلك يلحق الاثم من لا يعلمها إذا كان متمكنا من العلم بها ، وهذه لا يجب إنكارها إلا مع العلم بها ، ومن لا يعلمها لا يلحقه الاثم إذا كان متمكنا من العلم بها ، فافترق الموضوعان . ثم أقسم عليه السلام فقال : " وأيم الله " ، وأصله : وأيمن الله ، واختلف النحويون في هذه الكلمة فعند الأكثرين منهم أن ألفها ألف وصل ، وأن " أيمن " اسم وضع للقسم هكذا بألف وصل ، وبضم الميم والنون ، قالوا : ولم يأت في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها ، وتدخل عليها اللام لتأكيد الابتداء ، فتقول : ليمن الله فتذهب الألف ، قال الشاعر : فقال فريق القوم لما نشدتهم * نعم ، وفريق ليمن الله ما ندري ( 1 ) وهذا الاسم مرفوع بالابتداء وخبره محذوف ، والتقدير ليمن الله قسمي ، فإذا خاطبت قلت " ليمنك " ، وفي حديث عروة بن الزبير . ليمنك لئن كنت ابتليت ، لقد عافيت ، ولئن كنت أخذت لقد أبقيت " ( 2 ) . وتحذف نونه فيصير " أيم الله " بألف وصل مفتوحة وقد تكسر ، وربما حذفوا الياء ، فقالوا " أم الله " ، وربما أبقوا الميم وحدها مضمومة ، فقالوا " م الله " ، وقد يكسرونها لما صارت حرفا شبهوها بالباء ، وربما قالوا " من الله " بضم الميم والنون : " ومن الله " بكسرهما : " ومن الله " بفتحهما ، وذهب أبو عبيد وابن كيسان وابن درستويه إلى أن " أيمن " جمع يمين ، والألف همزة قطع ، وإنما خففت

--> ( 1 ) اللسان 7 : 354 ، ونسبه إلى نصيب ص 178 . ( 2 ) النهاية لابن الأثير 4 : 268