ابن أبي الحديد
17
شرح نهج البلاغة
يقال له : ألست القائل في مصنفاتك الكلامية : إن المندوبات إنما ندب إليها ، لأنها كالمسهلات والميسرات لفعل الواجبات العقلية ، وأنها ليست ألطافا في واجب عقلي ، وأن ثوابها يسير جدا بالإضافة إلى ثواب الواجب ! فإذا كان آدم عليه السلام ما أخل بشئ من الواجبات ، ولا فعل شيئا من المقبحات ، فقد استحق من الثواب العظيم ما يستحقر ثواب المندوب بالإضافة إليه . ومثل هذا لا يقال فيه لمن ترك المندوب إنه قد خاب ، ألا ترى أن من اكتسب مائة ألف قنطار من المال ، وترك بعد ذلك درهما واحدا كان يمكنه اكتسابه فلم يكتسبه ، لا يقال : إنه خاب ! وثالثها أن ظاهر القرآن يخالف ما ذكره ، لأنه تعالى أخبر أن آدم منهي عن أكل الشجرة بقوله : ( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) ، وقوله : ( ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ) ، وهذا يوجب أنه قد عصى بأن فعل منهيا عنه ، والشريف المرتضى رحمه الله تعالى يقول : إنه عصى بأن ترك مأمورا به . * * * قال المرتضى رحمه الله تعالى مجيبا عن هذا : إن الأمر والنهي ليسا يختصان ( 1 ) عندنا بصيغة ليس فيها احتمال واشتراك ، وقد يؤمر عندنا بلفظ النهى وينهى بلفظ الامر ، وإنما يكون النهى نهيا بكراهة المنهي عنه ، فإذا قال تعالى : ( لا تقربا هذه الشجرة ) ولم يكره قربهما لم يكن في الحقيقة ناهيا ، كما أنه تعالى لما قال : ( اعملوا ما شئتم ) ( 2 ) ، ( وإذا حللتم فاصطادوا ) ( 3 ) ولم يرد ذلك ، لم يكن أمرا به ، وإذا كان قد صحب قوله : ( لا تقربا هذه الشجرة ) إرادة ترك التناول ، وجب أن يكون هذا القول أمرا ، وإنما سماه منهيا ، وسمى
--> ( 1 ) التنزيه : " أما النهى والامر معا فليسا . . . " . ( 2 ) سورة فصلت 40 ( 3 ) سورة المائدة 2