ابن أبي الحديد

18

شرح نهج البلاغة

أمره له بأنه نهى من حيث كان فيه معنى النهى ، لان في النهى ترغيبا في الامتناع من الفعل ، وتزهيدا في الفعل نفسه ، ولما كان الامر ترغيبا من فعل المأمور ، وتزهيدا في تركه جاز أن يسمى نهيا . وقد يتداخل هذان الوضعان في الشاهد ، فيقول أحدنا : قد أمرت فلانا بألا يلقى الأمير ، وإنما يريد أنه نهاه عن لقائه ، ويقول : نهيتك عن هجر زيد ، وإنما معناه أمرتك بمواصلته ( 1 ) . يقال له : هذا خلاف الظاهر ، فلا يجوز المصير إليه إلا بدلالة قاطعة تصرف اللفظ عن ظاهره ، ويكفي أصحاب أبي هاشم في نصرة قولهم : التمسك بالظاهر . واعلم أن بعض أصحابنا تأول هذه الآية ، وقال : إن ذلك وقع من آدم عليه السلام قبل نبوته ، لأنه لو كان نبيا قبل إخراجه من الجنة ، لكان إما أن يكون مرسلا إلى نفسه ، وهو باطل ، أو إلى حواء وقد كان الخطاب يأتيها بغير واسطة ، لقوله تعالى : ( ولا تقربا ) أو إلى الملائكة ، وهذا باطل ، لان الملائكة رسل الله ، بدليل قوله : ( جاعل الملائكة رسلا ) ( 2 ) ، والرسول لا يحتاج إلى رسول آخر ، أو يكون رسولا وليس هناك من يرسل إليه ، وهذا محال . فثبت أن هذه الواقعة وقعت له عليه السلام قبل نبوته وإرساله . * * * الفصل الثالث في خطئهم في التبليغ والفتاوى قال أصحابنا : إن الأنبياء معصومون من كل خطأ يتعلق بالأداء والتبليغ ، فلا يجوز

--> ( 1 ) التنزيه 11 ( 2 ) سورة فاطر 1