ابن أبي الحديد
16
شرح نهج البلاغة
حمار ، قال لعمرو البليد : هذا حمار ، والقياس على المجاز الذي اختلف الأصوليون في جوازه خارج عن هذا الموضع . ومثال المسألة الأصولية المختلف فيها : ( واخفض لهما جناح الذل ) ( 1 ) هل يجوز أن يقال : طأطئ لهما عنق الذل ! وأما قوله : لو سلمنا أنه حقيقة في تارك الندب لم يجز إطلاقه في حق الأنبياء ، لأنه يوهم العصيان ، بل يجب أن يقيد . فيقال له : لكن البارئ سبحانه أطلقه ولم يقيده في قوله : ( وعصى آدم ) فيلزمك أن يكون تعالى موهما وفاعلا للقبيح ، لان إيهام القبيح قبيح . فإن قال : الدلالة العقلية على استحالة المعاصي على الأنبياء تؤمن من الإيهام . قيل له : وتلك الدلالة بعينها تؤمن من الإيهام في قول القائل : الأنبياء عصاة ، فهلا أجزت إطلاق ذلك ! * * * وثانيها أنه تعالى قال : ( فغوى ) والغي الضلال . قال المرتضى رحمه الله تعالى : معنى غوى هاهنا خاب ، لأنه نعلم أنه ( 2 ) لو فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب العظيم ، فإذا خالف الامر ولم يصر ( 3 ) إلى ما ندب إليه فقد خاب لا محالة من حيث لم يصر إلى الثواب الذي كان يستحقه بالامتناع ، ولا شبهة في أن لفظ " غوى " يحتمل الخيبة ، قال الشاعر : فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما ( 4 )
--> ( 1 ) سورة الإسراء 24 . ( 2 ) التنزيه : " لأنا نعلم " . ( 3 ) ب : " فإذا خالف الامر إلى ما ندب إليه " . ( 4 ) للمرقش ، اللسان 19 : 377