ابن أبي الحديد

116

شرح نهج البلاغة

ومعنى قوله : " فاستدارت رحاهم " ، انتظم أمرهم ، لان الرحا إنما تدور إذا تكاملت أدواتها وآلاتها كلها ، وهو أيضا معنى قوله : " واستقامت قناتهم " ، وكل هذا من باب الاستعارة . ثم أقسم أنه عليه السلام كان من ساقتها ، الساقة : جمع سائق ، كقادة جمع قائد ، وحاكة جمع حائك ، وهذا الضمير المؤنث يرجع إلى غير مذكور لفظا ، والمراد الجاهلية ، كأنه جعلها مثل كتيبة مصادمة لكتيبة الاسلام ، وجعل نفسه من الحاملين عليها بسيفه ، حتى فرت وأدبرت ، واتبعها يسوقها سوقا ، وهي مولية بين يديه . حتى أدبرت بحذافيرها ، أي كلها عن آخرها . ثم أتى بضمير آخر إلى غير مذكور لفظا ، وهو قوله : " واستوسقت في قيادها " ، يعنى الملة الاسلامية أو الدعوة ، أو ما يجرى هذا المجرى . واستوسقت : اجتمعت ، يقول لما ولت تلك الدعوة الجاهلية استوسقت هذه في قيادها كما تستوسق الإبل المقودة إلى أعطانها . ويجوز أن يعود هذا الضمير الثاني إلى المذكور الأول وهو الجاهلية ، أي ولت بحذافيرها واجتمعت كلها تحت ذل المقادة . ثم أقسم أنه ما ضعف يومئذ ولا وهن ولا جبن ولا خان ، وليبقرن الباطل الآن حتى يخرج الحق من خاصرته ، كأنه جعل الباطل كالشئ المشتمل على الحق غالبا عليه ، ومحيطا به ، فإذا بقر ظهر الحق الكامن ( 1 ) فيه ، وقد تقدم منا شرح ذلك .

--> ( 1 ) ب : " الكائن " .