ابن أبي الحديد

111

شرح نهج البلاغة

واعلم أنه قد جاء في التواضع وهضم النفس شئ كثير ، ومن ذلك الحديث المرفوع : " من تواضع لله رفعه الله ، ومن تكبر على الله وضعه " . ويقال : إن الله تعالى قال لموسى : إنما كلمتك لان في أخلاقك خلقا أحبه الله ، وهو التواضع . ورأي محمد بن واسع ابنه يمشى الخيلاء ، فناداه فقال : ويلك ! أتمشي هذه المشية ، وأبوك أبوك ، وأمك أمك ! أما أمك فأمة ، ابتعتها بمائتي درهم ، وأما أبوك فلا كثر الله في الناس مثله . ومثل قوله عليه السلام : " كل مؤمن نومة إن شهد لم يعرف وإن غاب لم يفتقد " ، قول رسول الله صلى الله عليه وآله : " رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له ، لو أقسم على الله لأبر قسمه " . وقال عمر لابنه عبد الله : " التمس الرفعة بالتواضع والشرف بالدين ، والعفو من الله بالعفو عن الناس ، وإياك والخيلاء فتضع من نفسك ولا تحقرن أحدا فإنك لا تدرى لعل من تزدريه عيناك أقرب إلى الله وسيلة منك . وقال الأحنف : عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين ، من فرجين ، كيف يتكبر ! وقد جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ما يناسب كلام أمير المؤمنين عليه السلام هذا : " إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء ، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل غبراء مظلمة " . * * * وأما إفشاء السر وإذاعته ، فقد ورد فيه أيضا ما يكثر ، ولو لم يرد فيه إلا قوله سبحانه : ( ولا تطع كل حلاف مهين . هماز مشاء بنميم ) ( 1 ) لكفى .

--> ( 1 ) سورة القلم 10 ، 11 .