ابن أبي الحديد

110

شرح نهج البلاغة

لم يفتقد أولئك مصابيح الهدى وأعلام السرى ، ليسوا بالمساييح ولا المذاييع البذر ، أولئك يفتح الله لهم أبواب رحمته ، ويكشف عنهم ضراء نقمته . أيها الناس ، سيأتي عليكم زمان يكفأ فيه الاسلام ، كما يكفأ الاناء بما فيه . أيها الناس ، إن الله قد أعاذكم من أن يجور عليكم ، ولم يعذكم من أن يبتليكم ، وقد قال جل من قائل : ( إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين ) ( 1 ) . * * * قال الرضى رحمه الله تعالى : أما قوله عليه السلام : " كل مؤمن نومة " فإنما أراد به الخامل الذكر القليل الشر ، والمساييح : جمع مسياح ، وهو الذي يسيح بين الناس بالفساد والنمائم ، والمذاييع : جمع مذياع ، وهو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها ، ونوه بها . والبذر : جمع بذور ، وهو الذي يكثر سفهه ويلغو منطقه . * * * الشرح : شهد : حضر ، وكفأت الاناء ، أي قلبته وكببته . وقال ابن الاعرابي : يجوز أكفأته أيضا ، والبذر : جمع بذور مثل صبور وصبر ، وهو الذي يذيع الاسرار ، وليس كما قال الرضى رحمه الله تعالى ، فقد يكون الانسان بذورا وإن لم يكثر سفهه ولم يلغ منطقه ، بأن يكون علنة مذياعا من غير سفه ولا لغو . والضراء : الشدة ، ومثلها البأساء ، وهما اسمان مؤنثان من غير تذكير ، وأجاز الفراء أن يجمع على آضر وأبؤس ، كما يجمع النعماء على أنعم . * * *

--> ( 1 ) سورة المؤمنين 30