ابن أبي الحديد

107

شرح نهج البلاغة

ثم ذكر أن ما هو كائن موجود من الدنيا سيصير عن قليل - أي بعد زمان قصير - معدوما ، والزمان القصير هاهنا : انقضاء الأجل وحضور الموت . ثم قال : إن الذي هو كائن وموجود من الآخرة سيصير عن قليل - أي بعد زمان قصير أيضا - كأنه لم يزل ، والزمان القصير هاهنا هو حضور القيامة ، وهي وإن كانت تأتى بعد زمان طويل ، إلا أن الميت لا يحس بطوله ، ولا فرق بين ألف ألف سنة عنده إذا عاد حيا ، وبين يوم واحد ، لان الشعور بالبطء في الزمان مشروط بالعلم بالحركة ، ويدل على ذلك حال النائم . ثم قال : كل معدود منقض ، وهذا تنبيه بطريق الاستدلال النظري على أن الدنيا زائلة ومنصرفة ، وقد استدل المتكلمون بهذا على أن حركات الفلك يستحيل ألا يكون لها أول ، فقالوا لأنها داخلة تحت العدد ، وكل معدود يستحيل أن يكون غير متناه ، والكلام في هذا مذكور في كتبنا العقلية . ثم ذكر أن كل ما يتوقع لا بد أن يأتي ، وكل ما سيأتي فهو قريب وكأنه قد أتى ، وهذا مثل قول قس بن ساعدة الأيادي : ما لي أرى الناس يذهبون ثم لا يرجعون ! أرضوا بالمقام فأقاموا ، أم تركوا هناك فناموا ! أقسم قس قسما ، إن في السماء لخبرا ، وإن في الأرض لعبرا ، سقف مرفوع ، ومهاد موضوع ، ونجوم تمور ، وبحار لا تغور . اسمعوا أيها الناس وعوا ! من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ما هو آت آت . * * * الأصل : ومنها : العالم من عرف قدره ، وكفى بالمرء جهلا ألا يعرف قدره ، وإن من أبغض الرجال إلى الله تعالى لعبدا وكله الله إلى نفسه ، جائرا عن قصد السبيل ، سائرا بغير