ابن أبي الحديد

106

شرح نهج البلاغة

أثوى وقصر ليله ليزودا * فمضت وأخلف من قتيلة موعدا ( 1 ) والمترف : الذي قد أترفته النعمة ، أي أطغته ، يقول عليه السلام : لا يعود على الناس ما أدبر وتولى عنهم من أحوالهم الماضية ، كالشباب والقوة ، ولا يعلم حال المستقبل من صحة أو مرض ، أو حياة أو موت لينتظر ، وينظر إلى هذا المعنى قول الشاعر : وأضيع العمر لا الماضي انتفعت به * ولا حصلت على علم من الباقي . ومشوب : مخلوط . شبته أشوبه فهو مشوب ، وجاء " مشيب " في قول الشاعر : * وماء قدور في القصاع مشيب * فبناه على " شيب " لم يسم فاعله ، وفي المثل : " هو يشوب ويروب " ، يضرب لمن يخلط في القول أو العمل . والجلد : الصلابة والقوة . والوهن : الضعف نفسه ، وإنما عطف للتأكيد ، كقوله تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) ( 2 ) وقوله : ( لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ) ( 3 ) . ثم نهى عن الاغترار بكثرة العجب من الدنيا ، وعلل حسن هذا النهى ، وقبح الاغترار بما نشاهده عيانا من قلة ما يصحب مفارقيها منها . وقال الشاعر : فما تزود مما كان يجمعه * إلا حنوطا غداة البين في خرق وغير نفحة أعواد شببن له * وقل ذلك من زاد لمنطلق ثم جعل التفكر علة الاعتبار ، وجعل الاعتبار علة الابصار ، وهذا حق ، لان الفكر يوجب الاتعاظ ، والاتعاظ يوجب الكشف ، والمشاهدة بالبصيرة التي نورها الاتعاظ .

--> ( 1 ) ديوانه 150 ، وروايته : " ومضى " . ( 2 ) سورة المائدة 48 ( 3 ) سورة فاطر 35