ابن أبي الحديد
96
شرح نهج البلاغة
وتولى عمر الامر ، فكان مرضى السيرة ، ميمون النقيبة ، حتى إذا احتضر ، فقلت في نفسي : لن يعدلها عنى ، ليس يدافعها عنى ( 1 ) ، فجعلني سادس ستة ، فما كانوا لولاية أحد منهم أشد كراهة لولايتي عليهم ، كانوا يسمعون عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاج أبى بكر ، وأقول : يا معشر قريش ، إنا أهل البيت أحق بهذا الامر منكم ما كان فينا من يقرأ القرآن ، ويعرف السنة ، ويدين بدين الحق . فخشي القوم إن أنا وليت عليهم ألا يكون لهم من الامر نصيب ما بقوا ، فأجمعوا إجماعا واحدا ، فصرفوا الولاية إلى عثمان ، واخرجوني منها رجاء أن ينالوها ، ويتداولوها إذ يئسوا أن ينالوا بها من قبلي ، ثم قالوا : هلم فبايع وإلا جاهدناك ، فبايعت مستكرها ، وصبرت محتسبا فقال قائلهم : يا بن أبي طالب ، إنك على هذا الامر لحريص ، فقلت : أنتم أحرص منى وأبعد ، أينا أحرص ، أنا الذي طلبت ميراثي وحقي الذي جعلني الله ورسوله أولى به ، أم أنتم إذ تضربون وجهي دونه ، وتحولون بيني وبينه ! فبهتوا والله لا يهدى القوم الظالمين . اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي ، وأضاعوا إياي ، وصغروا عظيم منزلتي ، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم ، فسلبونيه ثم قالوا : ألا إن في الحق أن تأخذه ، وفى الحق أن تمنعه ، فاصبر كمدا أو مت . سفا حنقا . فنظرت فإذا ليس معي رافد ولا ذاب ولا ناصر ولا ساعد إلا أهل بيتي ، فضننت بهم عن المنية ، وأغضيت على القذى وتجرعت ريقي على الشجى ، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم ، وآلم للقلب من حز الشفار ، حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه ، ثم جئتموني لتبايعوني فأبيت عليكم ، وأمسكت يدي فنازعتموني ودافعتموني ، وبسطتم يدي فكففتها ، ومددتموها فقبضتها ، وازدحمتم على حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعضكم ، أو أنكم قاتلي ، فقلتم : بايعنا لا نجد غيرك ، ولا نرضى إلا بك بايعنا
--> ( 1 ) ب : ( ليس بدافعي عنها ) .