ابن أبي الحديد
97
شرح نهج البلاغة
لا نفترق ولا تختلف كلمتنا . فبايعتكم ودعوت الناس إلى بيعتي ، فمن بايع طوعا قبلت ، ومن أبى لم أكرهه وتركته . فبايعني فيمن بايعني طلحة والزبير ، ولو أبيا ما أكرهتهما ، كما لم أكره غيرهما ، فما لبثا إلا يسيرا حتى بلغني أنهما خرجا من مكة متوجهين إلى البصرة ، في جيش ما منهم رجل إلا قد أعطاني الطاعة ، وسمح لي بالبيعة ، فقدما على عاملي وخزان بيت مالي وعلى أهل مصري الذين كلهم على بيعتي وفى طاعتي ، فشتتوا كلمتهم ، وأفسدوا جماعتهم ، ثم وثبوا على شيعتي من المسلمين فقتلوا طائفة منهم غدرا ، وطائفة صبرا ( 1 ) . ومنهم طائفة غضبوا لله ولى ، فشهروا سيوفهم وضربوا ، بها حتى لقوا الله عز وجل صادقين ، فوالله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله لحل لي به قتل ذلك الجيش بأسره ، فدع ما أنهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدة التي دخلوا بها عليهم ، وقد أدال الله منهم فبعدا للقوم الظالمين ! ثم إني نظرت في أمر أهل الشام ، فإذا أعراب أحزاب وأهل طمع جفاة طغاة ، يجتمعون من كل أوب ، من كان ينبغي أن يؤدب وأن يولى عليه ، ويؤخذ على يده ، ليسوا من الأنصار ولا المهاجرين ولا التابعين بإحسان . فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة ، فأبوا إلا شقاقا وفراقا ، ونهضوا في وجوه المسلمين ينضحونهم بالنبل ، ويشجرونهم ( 2 ) بالرماح ، فهناك نهدت ( 3 ) إليهم بالمسلمين فقاتلتهم ، فلما عضهم السلاح . ووجدوا ألم الجراح ، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ، فأنبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن ، وأنهم رفعوها مكيدة وخديعة ووهنا وضعفا ، فامضوا على حقكم وقتالكم ، فأبيتم على وقلتم : اقبل منهم ، فإن أجابوا إلى ما في الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من
--> ( 1 ) صبرا ، أي حبسا . ( 2 ) يشجرونهم بالرمح : يطعنونهم . ( 3 ) نهد للقتال : نهض .