ابن أبي الحديد
87
شرح نهج البلاغة
هيهات ! ( أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر ) ( 1 ) . فقال محمد : أسقوني قطرة من الماء ، فقال له معاوية بن حديج : لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبدا ، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما ، فسقاه الله من الرحيق المختوم ، والله لأقتلنك يا بن أبي بكر وأنت ظمآن ، ويسقيك الله من الحميم والغسلين ، فقال له محمد : يا بن اليهودية النساجة ، ليس ذلك اليوم إليك ولا إلى عثمان ، إنما ذلك إلى الله يسقى أولياءه ويظمئ أعداءه ، وهم أنت وقرناؤك ومن تولاك وتوليته ، والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم منى ما بلغتم . فقال له معاوية بن حديج : أتدري ما أصنع بك ؟ أدخلك جوف هذا الحمار الميت ثم أحرقه عليك بالنار . قال : إن فعلتم ذاك بي فطالما فعلتم ذاك بأولياء الله ، وأيم الله إني لأرجو أن يجعل الله هذه النار التي تخوفني بها بردا وسلاما ، كما جعلها الله على إبراهيم خليله ، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك ، كما جعلها على نمرود وأوليائه ، وإني لأرجو أن يحرقك الله وإمامك معاوية ، وهذا - وأشار إلى عمرو بن العاص بنار - تلظى ، كلما خبت زادها الله عليكم سعيرا . فقال له معاوية بن حديج : إني لا أقتلك ظلما ، إنما أقتلك بعثمان بن عفان ، قال محمد : وما أنت وعثمان ! رجل عمل بالجور ، وبدل حكم الله والقرآن وقد قال الله عز وجل : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ( 2 ) ، ( فأولئك هم الظالمون ) ( 3 ) ، ( فأولئك هم الفاسقون ) ( 4 ) ، فنقمنا ( 5 ) عليه أشياء عملها فأردنا أن يخلع من الخلافة علنا ، فلم يفعل ، فقتله من قتله من الناس .
--> ( 1 ) سورة القمر 43 . ( 2 ) سورة المائدة 44 . ( 3 ) سورة المائدة 45 . ( 4 ) سورة المائدة 47 . ( 5 ) نغم عليه ، بكسر القاف : أنكر أمره .