ابن أبي الحديد

86

شرح نهج البلاغة

كنانة بن بشر . ثم ندب معه نحو ألفي رجل ، وتخلف محمد في ألفين ، واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد ، فلما دنا عمرو من كنانة سرح إليه الكتائب ، كتيبة بعد كتيبة ، فلم تأته من كتائب الشام كتيبة إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يلحقها بعمرو ، ففعل ذلك مرارا . فلما رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج الكندي ، فأتاه في مثل الدهم ( 1 ) . فلما رأى كنانة ذلك الجيش ، نزل عن فرسه ، ونزل معه أصحابه فضاربهم بسيفه ، وهو يقول : ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ) ( 2 ) . فلم يزل يضاربهم بالسيف حتى استشهد رحمه الله . * * * قال إبراهيم : حدثنا محمد بن عبد الله ، عن المدائني ، عن محمد بن يوسف ، أن عمرو ابن العاص لما قتل كنانة أقبل نحو محمد بن أبي بكر ، وقد تفرق عنه أصحابه ، فخرج محمد متمهلا ، فمضى في طريقه حتى انتهى إلى خربة ( 3 ) ، فآوى إليها ، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط ، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد ، حتى انتهى إلى علوج على قارعة الطريق ، فسألهم . هل مر بهم أحد ينكرونه ؟ قالوا : لا ، قال أحدهم : إني دخلت تلك الخربة ، فإذا أنا برجل جالس . قال ابن حديج : هو هو ورب الكعبة ، فانطلقوا يركضون ، حتى دخلوا على محمد ، فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا ، فأقبلوا به نحو ا لفسطاط . قال : ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص ، وكان في جنده ، فقال : لا والله لا يقتل أخي صبرا ، ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه ، فأرسل عمرو ابن العاص : أن ائتني بمحمد ، فقال معاوية : أقتلتم كنانة بن بشر ، ابن عمى وأخلى عن محمد !

--> ( 1 ) الدهم : العدد الكثير . ( 2 ) سورة آل عمران 145 ( 3 ) الخربة : موضع الخراب .