ابن أبي الحديد

80

شرح نهج البلاغة

فدعوتنا تسألنا عن رأينا في ذلك ، فإن كنت لذلك دعوتنا ، وله جمعتنا فاعزم واصرم ، ونعم الرأي ما رأيت ! إن في افتتاحها عزك وعز أصحابك ، وذل عدوك ، وكبت أهل الخلاف عليك . قال معاوية : أهمك ما أهمك يا بن العاص ! وذلك أن عمرا كان بايع معاوية على قتال على ، وأن مصر له طعمة ما بقي . فأقبل معاوية على أصحابه ، وقال : إن هذا - يعنى ابن العاص - قد ظن وحقق ظنه ، قالوا : ولكنا لا ندري ، ولعل أبا عبد الله قد أصاب . فقال عمرو : وأنا أبو عبد الله ، إن أفضل الظنون ما شابه اليقين . ثم إن معاوية حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فقد رأيتم كيف صنع الله لكم في حربكم هذه على عدو كم ! ولقد جاءوكم وهم لا يشكون أنهم يستأصلون بيضتكم ويجوزون بلادكم ، ما كانوا يرون إلا أنكم في أيديهم ، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا ، وكفى الله المؤمنين القتال ، وكفاكم مؤنتهم . وحاكمتموهم إلى الله فحكم لكم عليهم . ثم جمع كلمتنا ، وأصلح ذات بيننا ، وجعلهم أعداء متفرقين ، يشهد بعضهم على بعض بالكفر ، ويسفك بعضهم دم بعض ، والله إني لأرجو أن يتم الله لنا هذا الامر ، وقد رأيت أن أحاول حرب مصر ، فماذا ترون ؟ فقال عمرو بن العاص : قد أخبرتك عما سألت ، وأشرت عليك بما سمعت . فقال معاوية : ما ترون ؟ فقالوا : نرى ما رأى عمرو بن العاص . فقال معاوية : إن عمرا قد عزم وصرم بما قال ، ولم يفسر كيف ينبغي أن نصنع ! قال عمرو : فإني مشير عليك بما تصنع ، أرى أن تبعث جيشا كثيفا ، عليهم رجل صارم ، تأمنه وتثق به ، فيأتي مصر فيدخلها فإنه سيأتينا من كان على مثل رأينا من أهلها ، فنظاهره على من كان من عدونا ، فإن اجتمع بها جندك ومن كان بها من شيعتك على من بها من أهل حربك ، رجوت الله أن يعز نصرك ، ويظهر فلجك .