ابن أبي الحديد
75
شرح نهج البلاغة
فخرج الأشتر حتى انتهى إلى القلزم ( 1 ) حيث تركب السفن من مصر إلى الحجاز ، فأقام به ، فقال له ذلك الرجل ، وكان ذلك المكان مكانه : أيها الأمير ، هذا منزل فيه طعام وعلف ، وأنا رجل من أهل الخراج ، فأقم واسترح ، وأتاه بالطعام حتى إذ طعم سقاه شربة عسل ، قد جعل فيها سما ، فلما شربها مات . قال إبراهيم : وقد كان أمير المؤمنين كتب على يد الأشتر كتابا إلى أهل مصر ، روى ذلك الشعبي عن صعصعة بن صوحان : من عبد الله على أمير المؤمنين إلى من بمصر من المسلمين : سلام الله عليكم ، فإني أحمد الله إليكم ، الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإني قد بعثت إليكم عبدا من عباد الله ، لا ينام أيام الخوف ، ولا ينكل عن الأعداء حذار الدوائر . لا نأكل من قدم ، ولا واه في عزم ، من أشد عباد الله بأسا ، وأكرمهم حسبا أضر على الفجار من حريق النار ، وأبعد الناس من دنس أو عار ، وهو مالك بن الحارث الأشتر ، حسام صارم ، لا نابي الضريبة ، ولا كليل الحد ، حليم في السلم ، رزين في الحرب ، ذو رأى أصيل ، وصبر جميل . فاسمعوا له وأطيعوا أمره ، فإن أمركم بالنفر فانفروا ، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا ، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري . وقد آثرتكم به على نفسي ، نصيحة لكم ، وشدة شكيمة على عدوكم ، عصمكم الله بالهدى ، وثبتكم بالتقوى ، ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى . والسلام عليكم ورحمة الله . * * * قال إبراهيم وروى جابر عن الشعبي قال : هلك الأشتر حين أتى عقبة أفيق ( 2 ) . قال إبراهيم : وحدثنا وطبة بن العلاء بن المنهال الغنوي ، عن أبيه ، عن عاصم
--> ( 1 ) القلزم : مدينة بمصر على رأس الخليج المضاف إليها ، وأطلالها الان قرب مدينة السويس . ( 2 ) أفيق ، بالفتح ثم الكسر : قرية من حوران .