ابن أبي الحديد

68

شرح نهج البلاغة

ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم ، يقول الله عز وجل : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) ( 1 ) ، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت ، وأكلوها بأفضل ما أكلت ، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا من أفضل ما يأكلون ، وشربوا من أفضل ما يشربون ، ويلبسون من أفضل ما يلبسون ويسكنون من أفضل ما يسكنون ، أصابوا لذة أهل الدنيا مع أهل الدنيا مع أنهم غدا من جيران الله عز وجل ، يتمنون عليه ، لا يرد لهم دعوة ولا ينقص لهم لذة . أما في هذا ما يشتاق إليه من كان له عقل ! واعلموا عباد الله أنكم إذا اتقيتم ربكم ، وحفظتم في أهل بيتة ، فقد عبد تموه وأفضل ما عبد ، وذكر تموه بأفضل ما ذكر ، وشكرتموه بأفضل ما شكر ، وأخذ بأفضل الصبر ، وجاهدتم بأفضل الجهاد ، وإن كان غير كم أطول صلاة منكم ، وأكثر صياما ، إذ كنتم أتقى لله وأنصح لأولياء الله من آل محمد صلى الله عليه وآله وأخشع . واحذروا عباد الله الموت ونزوله ، وخذوله ، فإنه يدخل بأمر عظيم ، خير لا يكون معه شر أبدا ، أو شر لا يكون معه خير أبدا . وليس أحد من الناس يفارق روحه جسده ، حتى يعلم إلى أي المنزلتين يصير ، إلى الجنة أم إلى النار ! أعدو هو لله أم ولى له ! فإن كان وليا فتحت له أبواب الجنة ، وشرع له طريقها ، ونظر إلى ما أعد الله عز وجل لأوليائه فيها ، فرغ من كان شغل ، ووضع عنه كل ثقل ، وإن ما أعدوا فتحت له أبواب النار ، وسهل له طريقها ، ونظر إلى ما أعد الله فيها لأهلها . واستقبل كل مكروه ، وفارق كل سرور ، قال الله تعالى : ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون . فأدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ) ( 2 ) . واعلموا عباد الله أن الموت ليس منه فوت ، فاحذروه وأعدوا له عدته ، فإنكم

--> ( 1 ) سورة الأعراف 32 ( 2 ) سورة النحل 28 ، 29 .