ابن أبي الحديد

69

شرح نهج البلاغة

طرداء للموت ( 1 ) ، وإن قمتم أخذكم ، وإن هربتم أدرككم ، وهو ألزم لكم من ظلكم ، معقود بنواصيكم ، والدنيا تطوى من خلفكم ، فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات ، فإنه كفى بالموت واعظا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات ) واعلموا عباد الله أن ما بعد الموت أشد من الموت ، لمن لم يغفر الله له ويرحمه . واحذروا القبر وضمته وضيقه وظلمته ، فإنه الذي يتكلم كل يوم : أنا بيت التراب ، وأنا بيت الغربة ، وأنا بيت الدود والقبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار . إن المسلم إذا مات قالت له الأرض : مرحبا وأهلا ، قد كنت ممن أحب أن تمشى على ظهري ، فإذ وليتك فستعلم كيف صنعي بك ! فيتسع له مد بصره . وإذا دفن الكافر قالت له الأرض : لا مرحبا ولا أهلا ، قد كنت ممن أبغض أن تمشى على ظهري ، فإذ وليتك فستعلم كيف صنعي بك ! فتنضم عليه حتى تلتقي أضلاعه واعلموا أن المعيشة الضنك التي قال سبحانه : ( فإن له معيشة ضنكا ) ( 2 ) هي عذاب القبر ، فإنه يسلط على الكافر في قبره حياة عظام تنهش لحمه حتى يبعث ، لو أن تنينا منها نفخ الأرض ما أنبت الزرع أبدا اعلموا عباد الله أن أنفسكم وأجسادكم الرقيقة الناعمة التي يكفيها اليسير من العقاب ضعيفة عن هذا ، فإن استطعتم أن ترحموا أنفسكم وأجسادكم مما لا طاقة لكم به ، ولا صبر لكم عليه ، فتعملوا بما أحب الله سبحانه وتتركوا ما كره ، فافعلوا ولا حول ولا قوة إلا بالله ! واعلموا عباد الله ، أن ما بعد القبر أشد من القبر ، يوم يشيب فيه الصغير ، ويسكر فيه

--> ( 1 ) ب : ( الموت ) . ( 2 ) سورة طه 124 .